من فوق الكتف

elevator-park.jpeg

وضعت المفتاح في الباب وأدرته فانزلق السان معلنًا غلق الباب، ثم اتجهت مسرعًا نحو المصعد فالساعة تشير إلى أني قد أصبحت في منطقة الخطر ولا بد أن أحرك جسدي بسرعة أكبر وإلا سوف أتأخر على العمل. اقتربت من المصعد فوجدته ينزل إلي من الدور التاسع، ركضت لأضغط مقتاح النزول ولكن كان ذلك متأخرًا جدًا، تركني المصعد في الدور الثامن وأكمل هبوطه براكبيه. علي الآن أن انتظر المصعد الآخر الذي بدأ يتهادى صعودًا إليَ من الدور الأرضي. تخطاني وهو صاعد ثم وقف في التاسع وبدأ الهبوط نحو طابقي مرة أخرى وأنا أتسائل من يا ترى من قاطني العقار سسكون بداخله؟ فتح الباب فإذا هما نفس الشخصين من الأمس. كان هو مواجه للباب يحميها بجسده داخل أحد زوايا المصعد. وهي من ورائه لا تبدو عليها ملامح الضعف أو الخنوع بل كانت تنظر إلي شاخصة من فوق كتفه ويبدوا انها لا تبالي بصاحبها ولا بموقفه الحمائي تجاه كل من يستقل المصعد. وبناءً على هيئتهم العربية قلت لهم صباح الخير باللهجة المصرية. غريب موقف البشر هنا بالإمارات من التحيات العابرة من أشخاص تعلم انهم إما جيران أو تراهم باستمرار. دائمًا أنا من يلقي بالتحية وأحيانًا لا أسمع ردًا ولا حتى نظرة فأعلم أني بالفعل موجود ولست مجرد هواء. ولكن هذه المرة لم أكن مجرد هواء. فالرجل رد علي التحية وقال “صباح الخير” ليسا مصريين إذن. لأنهم لوكانوا مصريين لقال صباح النور. أما هي فلم ترد ولم تشيح بنظرها عني حتى دخلت بالكامل إلى المصعد ,ادرت وجهي نحو الباب ولم أعد أراها. اعتقد انها لم ترد التحية طبقًا للتقاليد العربية العريقة والتي على اثرها تقبع المرأة بكاملها تحت وصاية الرجل. فالرجل فقط هو من له الحق في السلام والكلام. ولكني لا اعتقد انها لم ترد التحية مرغمة على عدم الرد، كما وأنها أيضًا لم يكن لديها خيار آخر. أعتقد ان هذا من ثقافة المجتمع العربي هنا. المجتمع العربي هنا وهو في أغلبه مجموعة من البشر لم يقطنوا الحضر في بلادهم الأصلية أو من كانوا يعيشون في الأقاليم وليسوا من سكان المدن الكبيرة. هي بكل بساطة لم يكن لديها سبب لرد التحية فالرجل قد قام بذلك عنه وعنها في نفس الوقت. وذلك أيضًا -حسب ما اعتقد انه قناعتها- يرضي غروره كرجل، بالذات وهو يحميها بكامل جسده من أي كائن غريب ترميه الأقدار عليهم في رحلتهم المملة داخل صندوق المصعد من الدور التاسع إلى الدور الأرضي.

بعد ان استدرت رجعت إلى الخلف وركنت بكامل جسدي على الزاوية الخلفية في الجهة المقابلة لها. وانغلق الباب وبدأ المصعد في هبوطه التدريجي نحو الأسفل. لا أعلم سبب ذلك الشعور الكئيب بالارتباك وأنا داخل المصعد مع غرباء. حتى لو كان طفل صغير. أشعر أنه طالما يجمعنا ذلك المكان الضيق، وطالما لا يفصلنا عن بعضنا سوى بضعة سنتيمترات، فإنه يتعين علي أن أفعل شيء حيال ذلك، أشعر أن باب المصعد في الحقيقة باب سجن لا أستطيع تحمل فكرة أنه مغلق على مع أشخاص لا أعرفهم كما لو كان زج بي حالاً داخل أحد زنازين الاعتقال المؤقت الضيقة مع بعض الغرباء. ثم أنك لا تعلم أن بالضبط من المفروض أن توجه بصرك. أرى بعض الناس ينظرون إلى الأعلى وآخرين رأسهم إلى الأسفل. أما أنا فتدور في رأسي أفكار متسارعة من سرعتها أفقدها بمجرد خروجي من المصعد كما لوكانت حبيسة هي الأخرى. أبدأ في النظر إلى النقوش المتكررة على باب المصعد أو أنظر إلى أرقام الأدوار وأتابع كم بقى لنا لنصل إلى الدور السفلي

وهاو المصعد أخيرًا يعلن بجرسه عن وصولنا إلى الدور الأرضي . ثم يفتح الباب ببطئ كأن المصعد لا يريد لنا أن نذهب. ومع أني أتكيء بظهري على جدار المصعد الخلفي، وحامي حمى الأنوثة العربية بجانبي أقرب من إلى الباب، إلا أنني أعلم أنه يريدني أن أغادر أولا حتى لا أنظر إلى مؤخرة صاحبته وهما يغادران قبلي. وبالفعل قال لي الرجل مشيرا إلى الخارج “تفضل”، فتفضلت ، ومع ملامسة قدمي لأرضية مدخل العقار، أدركت أني لا بد لي من ال اسراع وأن أطرد تلك الأفكار السخيفة من عقلي فأمامي يوم حافل بالعمل. ولكني تساءلت: هل مازالت تنظر إلي من فوق الكتف؟

رد واحد

  1. شعور قمئ اشعر به عندما اكون محبوسا فى المصعد مع اشخاص لا اعرفهم ، ,وبالفعل لا اعرف وقتها اين يجب ان اوجه بصرى ؟

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: