رفع الحرج عن عفاف فيما بين الشعوب من اختلاف

ثم قالت لي فجأة: لماذا الناس هنا مهذبون؟ لماذا تقف لنا العربات لنعبر الطريق حتى من غير مكان عبور المشاة؟ لماذا الناس غير عابسين؟. قلت لها: انما هي الشمس عزيزتي، فالانجليز لا يرون الشمس ساطعة في السماء إلا أيامًا قليلة في السنة وصادف ان جاءت زيارتنا لعاصمة الضباب خلال تلك الأيام. وخلاف ذلك فالشعب الانجليزي كئيب وبلا مشاعر ولا يمكن أن تقرري إذا كانوا سعداء أم تعساء. فهم كمدينتهم أثناء الضباب تصبح مشاعرهم وملامحم ثنائية الأبعاد مسطحة وبدون عمق. قلت لها ذلك وعلى وجهي علامات البلاهة وفي صوتي نبرة تعرفها عفاف جيدًا عندما لا أريد أن آخذ موضوعًا ما بشكل جدي.

بالطبع لم تصدقني واستمرت في عجبها تحاول جاهدة أن تضع بعض التفاسير لهذا الجو العام من الهدوء والمعاملة الحسنة بين الناس حتى في أشد الأوقات زحامًا في مترو لندن. مترو لندن أقدم نظام مترو للأنفاق في العالم تم تشغيله في 1863 كما أنه الأكبر حجمًا من حيث طول سككه الحديدية وعدد مستخدميه. بلغ عدد ركابه العام المنصرم أكثر من بليون مسافر. أي والله بليون وبلغة آخرى مليار. استخدمنا مترو لندن كثيرًا أثناء مدة اقامتنا الصغيرة وأثناء أوقات متعددة من اليوم وخلال أيام الأسبوع وأوقات الذروة. لم يدفعنا أحد حتى يستقل عربة المترو قبلنا على الرغم من الزحام. يفتح باب عربة المترو، فينتظر من هم على الرصيف حتى ينزل الناس أولاً ثم يصعدون بعد ذلك. لم أجد شرطي واحد على الرصيف على الرغم من احداث الارهاب التي استهدفت المترو في عام 2005. فقط تخيل معي لو أنه قد تم تفجير محطة سانت تريزا في شبرا من قبل بعض المتعصبين لكان الأمن احتل نصف الأماكن المخصصة للركاب في جميع وسائل المواصلات في القاهرة إلى الأبد.

توقعت ونحن أصحاب الملامح العربية وعفاف ذات الحجاب الاسلامي أن يتم على الأقل النظر إلينا باستغراب أو ببعض الضيق من قبل الركاب الآخرين. لم يحدث هذ، بل على العكس لم نجد منهم من يتفحص الآخرين كما يحدث في مترو قاهرتنا العزيزة. فالكل مشغول بنفسه غاضض بنظره عن الآخرين غير مقتحم لخصوصيتهم. أما عندنا فيمكنك أن تجد الجالس بقربك يشاركك الجريدة وكما يمكنك أن تجد العديد من الشبان وقد اكتشفوا رجولتهم فجأة في عربة المترو فراحوا يوزعونها نظرات رخيصة وحركات سافلة جاعلين الرحلة اليومية إلى العمل أو المدرسة أو الجامعة كابوسًا صباحيًا ومسائيًا على خلق الله.

في زيارتي الأولى لبلاد الملكة وأميرة القلوب المحزون على شبابها، لم تأت معي عفاف لأسباب مادية. وقتها لم أكن أكترث كثيرًا ولم يصيبني القلق من كوني عربيًا مسلمًا مسافرًا في وقت الأزمات والهجمات والتفجيرات. كتن يصيبني الفزع من اخبار العرب المقبوض عليهم في المطارات هنا وهناك اشتباهًا أو أستهبالاً من السلطات. وكنت لا أريد أن ينتهي بي المطاف في أحد سجون بلادنا العزيزة مرحلاً من بريطانيًا كما حدث مع المهندس السوري الكندي الذي لا أذكر اسمه حاليًا والذي لم تنفعه جنسيته الكندية عندما طيروه الأمريكان إلى سجون سوريا عندما كان متوقفًا في أحد المطارات الأمريكية. المهم، كان اصطحاب عفاف بحجابها امتحانًا قد اعتقدت أنه صعبًا وأن من الممكن أن يحدث لنا الكثير من المتاعب بسببه. ولكني كنت مخطئًا فكان كل من تعاملنا معه كان على الأقل لطيفًا رقيقًا. ولكن لماذا؟

bizarro2_17_02.gif

ترجع عفاف مرة أخرى وتعيدني إلى منتصف الدائرة. وتسأل لماذا كل شيء نظيف؟ أخبرتها عزيزتي انه المطر ليس إلا، فهنا هم لا يحتاجون إلى بذل الكثير من الجهد لتكون عاصمتهم متأنقة لامعة. فالمطر ينزل من السماء فتلمع الأسطح ويتلالأ الأسفلت، فلا غبار ولا سحابة سوداء. نظرت إلى مرة أخرى وقالت لا إنه ليس المطر، فهي تمطر في مصرنا أيضًا ولكنها حين تفعل ذلك يملؤ طين نهرنا العزيز الشوارع ويصبح الخروج إلى الشارع مغامرة غير محسوبة العواقب. وأضافت “أريد أن أسألك وتجيبني بصراحة، لماذا الناس هنا مهذبون نظيفون لبقون مراعون لمشاعر الأخرين على عكس شعوبنا في منطقتنا العربية الصحرواية”. كانت هذه المرة الأولى لعفاف في بلد من بلاد الفرنجة. توقعت عفاف -كالكثير من شباب أمتنا الأطهار- انها ذاهبة إلى دار الكفر وانحلال الأخلاق. توقعت أن ترى العري والسكر والعربدة. توقعت أن ترى انهيار الأخلاق بأم عينها فترجع إلى بلادها حامدة ربها على نعمة الاسلام. وكم ذكرني هذا بقول الشيخ الذي أيضًا لا أذكر اسمه عندما عاد من بلاد الفرنجة “وجدت الاسلام ولكني لم أجد مسلمين”.

كيف لهؤلاء الكفرة الفسقة أن يأسروا قلب عفافي بسلوكهم المهذب الظريف اللطيف وهم لم يعرفوا اعتدال القرضاوي ولا اعجاز زغلول النجار ولا فقه الشعرواي. بل كيف لهم أن يتعايشوا بدون عمرو خالد. وكيف لهم أن يعرفوا الأخلاق بدون أن يرشدهم إليها عائض القرني. هل لديهم فعلاً أخلاق في الغرب؟

يقول الشيخ عطية صقر عن المدنية الغربية:

المدنية الغربية لن تحقق السعادة المنشودة بدون الإيمان الصحيح، ولا ينبغي الاغترار بمظاهرها المادية فهي مُسخرة للدمار، وهي في سبيلها للانهيار، كما انهارت دول وحضارات في القديم والحديث، وصدق الله إذ يقول (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُون وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنْعَامُ والنَّار مَثْوىً لَهُمْ) (سورة محمد : 12)

إذن على عفاف ألا تغتر بما تشاهده من مظاهر الرقي والنظافة واللباقة واللمعان فما كل هذا إلا إلا تمتع مؤقت وصور للكفر والفسوق. وعليها أن لا تأخذها الدهشة ولا يصسبها الاعجاب لأنهم ببساطة محكوم عليهم بالانهيار ومثواهم جهنم وبئس المصير. على عفاف أن تفهم أن كل شيء سيئ قادم من عندهم وذلك لما عرف عن فسادهم وسوء نيتهم وبطلان منطقهم.

يقول الشيخ القرضاوي عن فلسفة الحياة عند المسلمين مقارنًا بينها وبين فلسفة الحياة عند الغربيين:

فالإنسان في حضارة الغرب مطالِبٌ سائِل، والإنسان في حضارة الإسلام مطالَبٌ مسئول، الإنسان في نظر الإسلام مخلوق مكلَّف، ومعنى “مكلَّف” أن عليه التزامات وتكاليف ومسئوليات، فالإنسان في الإسلام يقول ماذا عليَّ؟ والإنسان في حضارة الغرب يقول: ماذا لي

ومن يقرأ كلام القرضاوي هذا سيعتقد بالتأكيد أن المسلمين يعيشون هذا الجو من الاحساس بالمسئولية والكل يسأل نفسه وجيرانه عما هو مطلوب منه تجاه الآخرين ويراجع نفسه قبل النوم يوميًا ليرى نواحي تقصيره تجاه أهله وناسه ومجتمعه واسرته وكل الآخرين من حوله. فهو كما يقول الشيخ القرضاوي مسئول مطالب بآداء الواجبات. يمكنك الآن ان تصنع لنفسك علامة استفهام كبيرة لا تتسع لها الصفحة هنا.

وهنا لا بد على عفاف أن تفهم جيدًا أن كل ما تصنعه الحضارة الغربية لا يتعدى المظاهر الخادعة. فما بريقهم ولمعانهم ونظامهم إلا أساس أصيل لأنانيتهم وتشبثهم بهذه الحياة الزائلة الرخيصة والتي قال عنها عز وجل “الحياة الدنيا”. فهم يا عفاف يفعلون ذلك تأصيلاً لما قاله شيخنا الكبير القرضاوي بأنهم دائمًا يسألون “ماذا لي، ماذا لي” فما هذه المظاهر الخداعة إلا تطبيقًا لهذه الأنانية. لهذا تسعى حكوماتهم إلى إرضائهم بشتى الطرق، فتمدهم بأرقى الخدمات الحكومية، وأحسن شبكات الطاقة والمياه، وبنظم مواصلات وتنقل على مستوى عال، وخدمات اعلامية تحترم عقولهم الأنانية. وترتعد الحكومات الغربية من النقد في وسائل الإعلام وتحاول بشتى الطريق أن لا يتحول هذا النقد إلى رأي عام يؤثر في نتائج الانتخابات الديمقراطية الحرة التي يجرونها باستمرار. كل هذا لأن هذه الشعوب لا تهتم إلا بالحياة الدنيا ولا يهمهم آخرة ولا حساب ولا عقاب.

أما شعوبنا، فهي الشعوب المؤمنة بقضاء الله وقدره بخيره وبشره. ولا ينبغي اطلاقًا أن تكون هذه الدنيا محور همنا وشغلنا. فلتكن على أية صورة كانت فنحن دائمًا حامدين شاكرين للمزيد من الذل والقهر مستعدين منتظرين. فما الحياة الدنيا إلا اختبار، ولا يمكن أن يكون اختبارنا دعة ورفاهية وإلا فما الفائدة؟ هل ينبغي أن ننعم في الدنيا والآخرة معًا؟ كيف لنا أن نتذوق حلاوة الآخرة ونعيمها إذا لم نشقى ويلعن سلسفيل جدودنا في هذه الدنيا. ولتعلم جيدًا عزيزي أنه كلما زاد الشقاء في الدنيا علت مراتبك في الآخرة وأتسعت أنهارك خمرًا وحليبًا. نحن لا ينبغي لنا أن نطالب بتحسين أحوالنا لأننا وببساطة مطالَبين (مطلوب منا) ولسنا مطالِبين كما قال شيخنا العزيز. لا ينبغى لنا حتى أن نتوقع تحسن الحال بل علينا توقع المزيد من شظف العيش ومصائب الدنيا فما هي إلا ابتلاءُ للمؤمنين.

وهنا نصل إلى نتيجة مهمة وهي بلادنا هي دار امتحاننا الأرضي. قذرة، مواصلاتها مستحيلة، فرص عملك فيها معدومة، شوارعها مليئة بالحفر والمطبات، تجارها نصابين، وحكامها سلاطين مستبدين لدمائنا مصاصين. ولكن عزيزي كل هذا ليس إلا ابتلاء من رب العالمين فعليك بالصبر وانتظر حسن خاتمتك وتذكر ما ينتظرك من نعيم في صحبة الحبيب. ولا يغرك الغرب بما حقق من حضارة وما تنعم به شعوبه في هذه الدنيا. فهم عزيزي غارقين في مفاسدهم منحلة أخلاقهم خاوية نفوسهم. والحمد لله على نعمة العقل.

Advertisements

رد واحد

  1. يا أخي انته انسان جذبتك الماديات، يا أخي والله اني أعرف من الإنجليز من هرب من بلده بغية التخلص من العادات السيئة هناك، هل رأيت برنامج تايرا الامريكي، هل رايت الفتاة المتحجبة التي تنازعت مع الافريقية، قالت لها الأفريقية إذا اردت بعض الأسلحة و المتفجرات فسألجأ إلى اخيك، قالت لها انتي لا تعرفين ما نعانيه نحن الافارقة في امريكا من عنصرية، انتم فقط تتبجحون بالعنصرية الموجهه ضدكم مع انكم سببها، فمع اقتراح البرنامج بلبس الأفريقية للحجاب و تجربتها الحياة كمسلمه واجهت تلك الأفريقية مالم تكن تتصوره من نظرات ومعاملة سيئة وكل هذا اين؟ !!! في بلد الحريات والأحلام أمريكا التي أغرت الجميع بزعمها للمساواة و عدم التفرقة العنصرية، افتح عينيك يا أخي و انظر من حولك، لا تكن مستبقا للحكم، انا لم أذهب لمصر يوما ولكن في بلدي أجد كل شي متوفرا ولله الحمد، و اذا كان البلد كما ذكرت فهذا من تقصير أهله و قيادته، وقد ذكر لي أخي لدى زيارته لمصر ماذكرته تماما و هذا لا يجعلك تقارن جميع دول العرب بمصر التي تتلقى مصروفا شهريا او سنويا من امريكا لقاء حمايتها لإسرائيل !!!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: