جدل عقيم .. الحلقة الثانية

في أغسطس من العام الماضي اخترت أن اترجم فصلاً من أحد كتب الفلسفة الشيقة التي قرأتها. الفصل يتناول أصل القيم الأخلاقية ويتسائل: إذا لم يكن هناك أديان فهل كان بمقدور الإنسان أن يطور نظمًا أخلاقية؟ عندما بدأت بترجمة ذلك الفصل أصابني التعب وقررت أن اقوم بإنجازه على حلقتين ونشرت الحلقة الأولى وكان في نيتي ترجمة بقية الفصل بعد ذلك بأيام. ولكني كسول، وها أنا بعد ذلك العدد غير اليسير من الشهور أقوم بنشر جزء آخر لا أعلم -الآن وقت كتابة هذه السطور- إن كنت سأصل إلى نهاية الفصل. وأنا أفعل ذلك أدعوا المعلق الوحيد على الجزء الأول (أحمد نصر) أن يأتي ليكمل القراءة. يمكنك قراءة الجزء الأول هنا (جدل عقيم – رقم واحد)

سميرة: لا عزيزي، سبق وأن بينت لك أن ما أفعله ليس له علاقة بأي التزام أخلاقي تجاهك. ولكننا عزيزي بدون الرب لا يوجد لدينا أي دافع لنكون أخلاقيين، أليس كذلك؟ بدون وجود الرب ما الذي يدفعنا أصلاً إلى أن نفعل الصواب ونتجنب فعل الخطأ؟

سمير: لماذا تظنين ذلك؟

سميرة: لأن السبب في ذلك هو خوفنا من عدم رضا الرب عنا وأنه سيعاقبنا إذا لم نطع أوامره، هذا هو الذي يبقينا على السراط القويم. لأنه بدون وجود هذا العقاب الإلهي لا يوجد أيضًا أي سبب يجعلنا نتصرف بحكمة. ولهذا عزيزي لابد لعادل أن يلتحق بمدرسة دينية.

يتفق الكثير من الناس مع مدام سميرة في أنه بدون وازع ديني قوي فإنه من المرجح أن تنهار القيم الأخلاقية لدى الناس. يقول فولتير (1694-177) على سبيل المثال، وهو الفيلسوف المشهور والذي كان يمنع أصدقائه من مناقشة المواضيع اللادينية أمام أهل البيت من خدم وغيرهم: “أفضل أن يكون كل من يعمل لدي، المحامي والخياط، والخادم، والسائق، بل حتى زوجتي، أفضلهم جميعًأ مؤمنين بالله. بهذه الطريقة سوف لن يخدعونني ولن يسرقونني كثيرًا”

ولكن هل صحيح إن لم نكن نؤمن بالله فسوف تنهار أخلاقنا؟ أصبحنا نرى العديد من حولنا لا يؤمنون بالله ويصرحون علانية بأنهم ملحدون، ولكننا في ذات الوقت نراهم يقولون عن أنفسهم أن لديهم نظامهم الأخلاقي والمستمد من غير ذات القيم الدينية التي نستمد منها نحن نظامنا الأخلاقي. بل أن الكثيرين من العلماء الذين يجلهم العالم والذين قدموا خدمات جليلة للبشرية كان معروف عنهم أنهم ملحدون ولم يتهمهم أحدًا بالانحطاط الأخلاقي. ولهذا السبب نفسه نرى الأستاذ سمير يقول أنه من الصعب الادعاء بأن المؤمنين بالله يتمتعون بأخلاق أسمى وأنبل من أخلاق غيرهم من غير المؤمنين.

سمير: لا أستطيع أن أنكر أن هناك الكثير من المؤمنين النبلاء والذي أثروا الحياة الانسانية بإسهاماتهم الجليلة. ولكن في نفس الوقت يوجد الكثير من المؤمنين الجشعين الحقيرين والذين عاثوا بالأرض فسادًا. بل أكثر من ذلك، فإنه توجد أمثلة الكثير من الأعمال اللاأخلاقية والتي تمت ممارستها باسم الرب نفسه. فما الحملات الصليبية ومحاكم التفتيش وتفجير برجي مركز التجارة العالمي إلا أمثلة بسيطة على ذلك. وفي الحقيقة فإنه يبدو لي أنه في بعض الأحيان فإن الإعتقاد الديني قد يروج للأعمال اللاأخلاقية بنفس القدر الذي يدعو به إلى مكارم الأخلاق.

سميرة: أتفق معك في جملتك الأخيرة، فقط لأني أعتقد أن كل الأديان الأخرى غير صحيحة.

ولكن سمير يستمر في جداله ويشير إلى أن الناس الذين يفعلون الصواب بناءًا على خوفهم من العقاب الإلهي لا يمكن أن نعتبرهم خلوقين:

سمير: عزيزتي، إن من يفعل الصواب ويأتي بالأعمال الخيرة من واقع احترامه واهتمامه بآدمية الآخرين لعلى خلق أسمى بالتأكيد ممن يفعل الشيء ذاته بناءًا على خوفه من عقاب ما. ولهذا فإني يهيأ لي -وبناءًا على آرائك- أن المتدينين، الذين يتعاملون ويتصرفون بطريقة جيدة وصائبة خوفًا من عقاب الله، لا يتمتعون بالقدر نفسه من الأخلاق عند مقارنتهم بالملحدين الذين يقومون بالشيء ذاته بدافع من ضميرهم الانساني.

سميرة: قد يكون جانبك الصواب في ادعائك هذه المرة. ولكن ألا تتفق معي أن الخوف من العقاب ليس هو الدافع الوحيد لدى المؤمنين لفعل الصواب؟

سمير: أتفق معك في ذلك.

سميرة: ولنفترض جدلاً أني سلمت بإدعائك القائل بأن هناك من الملحدين من هم على أخلاق عالية بنفس القدر الأخلاقي الذي يتمتع به المؤمنين. ولكن من الممكن أن يكون السبب في ذلك أنهم نشأوا في بيئة كانت أو مازلت تحتفظ بتقاليد دينية قوية. وبغض النظر إذا ما كانوا يدركون ذلك أم لا، فإن نظامهم الأخلاقي مستمد بالكامل من تعاليم مجتمعهم الدينية. وإذا ما حدث وانحسر التأثير الديني في مجتمعاتهم فإن أخلاقهم مصيرها الاضمحلال ولا نهاية لهم سوى الانحلال الأخلاقي.

سمير: ملاحظة مثيرة للإهتمام. ولكنك لم تعطيني أدنى دليل على صحة افتراضك هذا. بل إني اعتقد أن افتراضك هذ لا يمكن أن يكون صحيحًا.

سميرة: كيف لك أن تعرف ذلك؟

سمير: لأن هناك الكثير من الثقافات، والتي عرف انها تمتلك نظام أخلاقي متطور، إما لم تكن لديها أي نظم دينية أو أن نظمها الدينية لم تكن مهتمة بأن تضع تعاليم للصواب والخطأ.

سميرة: هل من الممكن أن تعطيني مثال؟

سمير: بالطبع. عندك مثلاً اليونانيين القدماء، والذين لم يكونوا مثاليين على أية حال، فقد كانوا يشرعون العبودية،
مثلهم مثل نظم دينية كثيرة، ولكن نظامهم الأخلاقي كان متطورًا ومعقدًا إلى حد بعيد ويكاد يماثل أنظمتنا الأخلاقية في تطورها وتعقيدها. فكان لديهم قواعد تحرم عليهم القتل والسرقة والكذب. أثينا كانت أيامها مدينة متحضرة تغريكي بالعيش
فيها، ومع ذلك فإن دياناتهم لم تكن مهتمة بالضرورة بوضع قواعد أخلاقية بنفس الطريقة التي نعرفها. فلم نكن نرى زيوس كبير الألهة اليونانية ينزل أوامره ونواهيه في ألواح فوق جبل ويتكلم من خلال شجرة تحترق.

سميرة: مم. شيق جدًا هذا المثال.

سمير: عند اليونانين القدماء كانت الأخلاق منفصلة تمامًا عن الدين. وبهذا كان لديهم حضارة كاملة تقدمت وازدهرت بدون كود أخلاقي مستمد من الدين.

سميرة: من الممكن أن يكون ذلك صحيحًا على أية حال.

سمير: وبناءًا على هذا لا زلت غير مقتنع بأسبابك التي دعتك لأن تفكري في أرسال ابننا إلى مدرسة دينية. فادعائك بأننا غير قادرين على تطوير نظام أخلاقي بدون الدين ادعاء غير متماسك بالمرة.

من الملاحظ أن أغلب المجتمعات التي نطلق عليها صفة متحضرة تتمتع (أو كانت) بأديان تحتوي على نظم أخلاقية عالية. العديد من المفكرين يعتقدون بحتمية وجود تعاليم أخلاقية دينية حتى يمكن لهذه المجتمعات أن تطور نظمًا أخلاقية
عالية وتصل بذلك إلى تحقيق حضارة متقدمة. وهم أيضًا بذلك يفترضون أنه إذا خرج الدين من المعادلة فإن ذلك معناه انهيار أخلاقها وحضارتها في وقت واحد.

ولكن واقع وجود الدين لدى الحضارات المتقدمة والناجحة لا يؤسس بالضرورة لكون الدين مكون ضروري ولا غنى عنه لتحقيق الحضارة. فمن الملاحظ مثلاً أن كل المجتمعات المتحضرة الحديثة لديها مثلاً “حمامات سباحة”، فهل من المعقول أن نقول أنه إذا هدمنا كل حمامات السباحة لدى مجتمع من المجتمعات فإننا بذلك قد نهدم حضارته بالكامل؟ أعلم أنه مثال سخيف ولا يوجد أي رابط بين حمامات السباحة والاخلاق، ولكن ألم تلاحظ معي كما قال سمير سابقًا أن هناك من الأديان القديمة من لم تكن مهتمة بتضمين أوامر ونواهي أخلاقية ضمن تعاليمها ومع ذلك أنتجت مجتمعاتها حضارات عظيمة مثل الرومان واليونانيين؟ بل والأكثر من ذلك، ألا تلاحظ انه حتى مع اختلاف الديانات (السماوية منها وغير السماوية) يظل هناك قاسمًا مشتركًا كبيرًا فيما تدعوا إليه من قواعد أخلاقية؟ فكل الديانات تأمر متبعيها بعدم القتل أو السرقة أو الكذب وما شابه ذلك. حتى يهيأ للمرء انه بغض النظر عن الديانة فإن القواعد الأخلاقية الأساسية ستظل واحدة ولن تتغير وكأن هناك نظامًا اخلاقيًا انسانيًا سوف يتبعه البشر على أية حال حتى مع عدم وجود الدين. وإن وجد الدين فإنه من الملاحظ أن الأديان لا تغير في هذه القواعد الأساسية بل تزيد عليها بعضًا من التفاصيل التي تصبغ دين معين بخصوصية اخلاقية ما، كأن يحرم أحد الأديان أكل نوع معين من الأكلات في حين لا يحرمها دين آخر.

ومع هذا فإن دانيال مونولي الكاتب في مجلة أمريكان بروسبكتز (American Prospects) يعتقد بأن النظم الأخلاقية لدى غير المؤمنين هي نظم طفيلية استمدت جميع قيمها من مثيلاتها الدينية (يخص دانيال هنا النظم الأخلاقية المستمدة من الدينين اليهودي والمسيحي Judeo-Christian). ولكن هل من الممكن أن يكون دانيال قد فهم الأمور بالعكس تمامًا. هل من الممكن أن تكون النظم الدينية هي من تطفلت على النظم الأخلاقية الانسانية وبنت أنظمنها الأخلاقية عليها؟

ويعتقد الكثيرين أن الأديان هي السبب الرئيسي لتوصل الانسانية لنظمها الأخلاقية الحالية. وعلى هذا فإن النص الديني وحده هو القادر على إرشادنا ومدنا بالمعرفة اللازمة حتى نتمكن من التفريق بين ما هو صواب بالفعل وبين ما يبدو لنا على أنه صواب ولكنه ليس كذلك. وهذا ما تحاول سميرة أن تقوله:

سميرة: ولكن هناك مشكلة لا تزال قائمة وعلى غير المؤمنين تفسيرها، كيف وصلت الانسانية إلى هذه النظم الأخلاقية التي تقول عنها أنت أنها ليست مستمدة من أي دين؟

سمير: ما هي مشكلتك بالضبط؟

سميرة: القيم الأخلاقية متأصلة في النصوص الدينية المقدسة كالقرآن والانجيل والتوراة. فهناك سلطة للنص الديني وعرفًا قد ألفه المتدينيين. إذا أردت أن اعرف إذا كان شيئًا ما صوابًا أو خطأ فعلى الفور تمدنا هذه النصوص الدينية المقدسة بالإجابة. هناك أجد دائمًا أجابات دقيقة وثابتة، هناك مرجعيتي التي تهديني وترشدني.

سمير: كالمنار يرشد السفن أثناء العاصفة؟

سميرة: بالضبط. وعلى العكس فإن غير المتدينيين تتلاطمهم أمواج الحياة بدون أي سبيل للهداية سوى أهوائهم الشخصية. غير المتدينين غير قادرين على رؤية ضوء المنار خلال العاصفة، ليست لديهم سلطة عليا يرجعون إليها لطلب المساعدة. غير المتدينين لا يمكنهم التفرقة بين ما هو صواب بالفعل وبين ما يبدو وما يظهر على أنه صواب ولكنه ليس كذلك.

سمير: مممم

سميرة: وإذا كنت عاجزًا عن التفرقة بين المظهر الخادع والجوهر الحقيقي فكيف تدعي أنك تملك المعرفة اللازمة للتفريق بين الصواب والخطأ؟ ولهذا نحن دومًا بحاجة للدين لمعرفة القيم الأخلاقية.

مرة أخرى، نجد أنفسنا أمام رأي سائد لدى أغلب الناس. ولكن يبدو أن سمير غير مقتنع. لنسمع:

سمير: لا أرى أي سبب يجعلني اعتقد أن المتدينين ليست لديهم نفس المشاكل التي تواجه غيرهم عندما يتعلق الأمر بالتفرقة بين ما هو حقيقي وما هو مزيف.

سميرة: كيف ذلك؟

سمير: سبق لي وأن بينت لك أن الأخلاق بشكلها الأساسي لا تعتمد وغير مستمدة من النصوص الدينية. الاغريق كان لديهم قيم أخلاقية مشابهة لقيمنا الحالية ولم تكن أديانهم مهتمة اطلاقًا بوضع قواعد أخلاقية تلزم بها متبعيها. ولهذا يبدو لي أن الأنسان لديه بوصلته الداخلية التي تساعده على التفرقة بين ما هو صواب وبين ما هو خطأ، وهذه البوصلة الداخلية مستقلة تمامًا عن أية معرفة دينية لديهم. ولهذا فإن المتدينين لابد وأن يلجأوا إلى حسهم الداخلي أو كما سميتها البوصلة لتقرير ما إذا كانوا سيستمروا في اتباع الدين الذي نشأوا فيه أم لا. كما أنهم مضطرين إلى الاستعانة بحسهم الاخلاقي الداخلي عن تفسيرهم للمعنى الحقيقي لهذه النصوص الدينية.

سميرة: أخشى أني لا أفهم تمامًا ما تعنيه.

سمير: سوف أعطيكي أمثلة. في الكتاب المقدس وفي سفر اللاويين فإنه من المحرم الإقراض بفائدة ومن المحرم أكل المحار ومن المحرم ارتداء ملابس مصنوعة من خليط من الصوف والكتان. كما أن العهد القديم يقول أنه على الأغنياء التخلي عن كل ثرواتهم لصالح الفقراء. هل يلتزم كل مسيحي بهذه التعاليم؟ هل من الممكن أن نعتبر كل المسيحيين غير الملتزمين بهذه التعاليم بأن أخلاقهم فاسدة؟ وفي القرآن وفي سورة الأحزاب يأمر الله النساء بتغطية وجوههن وفي السنة يأمر الرسول الرجال بإعفاء اللحى. فهل كل مسلمة كاشفة لوجهها وكل مسلم يحلق ذقنه أصحاب أخلاق فاسدة؟

سميرة: أنا لا أعلم شيئًا عن المسيحيين، ولكن أعلم أن آية سورة الأحزاب لا تعني بالضرورة تغطية الوجه. القصد منها هو الاحتشام بصورة عامة.

سمير: أرأيتي، أنت تقومين بالانتقاء من بين التفاسير المتعددة للنص الديني. تنتقين ما يوافقك انت. أنت هنا تستخدمين ما أسميته أنا بالبوصلة الداخلية. أنت تستخدمين قدرتك الطبيعية على التفرقة بين الصواب والخطأ.

سميرة: لست متأكدة من ذلك.

سمير: عزيزتي. انه أمر واضح. المتدينيين ليست لديهم أية امتيازات خاصة بامتلاكهم نصًا دينيًا يحوي قيمًا أخلاقية. فهم في النهاية لابد لهم من الاعتماد على حسهم الداخلي عند تفسير المعنى الحقيقي لذلك النص الديني، وفي النهاية فهم من يقررون إذا كان الأمر صوابًا أو خاطئًا، تمامًا كما يفعل غير المتدينيين. أعترف بأن هناك صعوبة في تفسير الكيفية التي توصل البشر عن طريقها إلى القيم الأخلاقية الانسانية. ولكن الأديان ليست هي المصدر الأول بالتأكيد.

اعتقد أن الفرد مهيأ لقبول دين ما إذا اتفق مع اساسيات منظومته أو وجهة نظره الأخلاقية. ولاعتبارات ضرورة استمرار الحياه فإن الفرد عادة ما يتجاهل الأوامر الدينية التى لا تتسق مع مفهومه الاخلاقي أو على الأقل يقوم باعادة تفسيرها ليضمن لها هذا الاتساق.

وفي النهاية فإن هدفي لم يكن الدعوة إلى عدم تعليم صغارنا القيم الأخلاقية، على العكس فإن ذلك هو الشيء الأكثر أهمية على الإطلاق. ولم اقصد اطلاقًا أن يتم ذلك بعيدًا عن المدارس الدينية. كان هدفي بكل بساطة أن أناقش الافتراض الذي تتزايد شعبيته باستمرار والقائل بأن الأخلاق الانسانية بالكامل مستمدة من النظم الدينية. وأننا لا يمكن أن نكون مواطنيين صالحين باعتمادنا على حسنا الداخلي عندما يتعلق الأمر بتقرير ما هو صواب وما هو خطأ.

Advertisements

5 تعليقات

  1. ممم … في إعتقادي أن الصواب صواب في حد ذاته بعيدا عن التشريعات السماوية
    فالفطرة السليمة يجب أن تكره الكذب و سفك الدماء مهما كانت ديانة أو عقيدة صاحبها … و الله حين أنزل تشريعاته على رسله فهي كانت متفقة مع تلك الفطرة ببساطة لأنه هو خالقها
    لذلك فأنا أعتقد أننا لا نستطيع أن نقول بسهولة أن أي شخص أو مجتمع ملحد يجب أن تختفي منه القيم و الأخلاق … فهم في النهاية بشر

  2. طارق:
    في اعتقادي أن هناك قيم أخلاقية عليا، وهي تلك القيم التي فيها الصواي صواب في حد ذاته والخطأ خطأ بطبيعته. واعتقد ان هذه القيم هي التي قصدتها أنت في تعليقك.

    أما ما وراء ذلك فكله نسبي ولا يصح الحكم أخلاقيًا على أحد المجتمعات الأخرى باستخدام منظومتنا الأخلاقية. فمثلاً عندما يكون طول أو قصر الملابس عاملاً للحكم على أخلاق البنات في مجتمعاتنا، لا يكون ذلك بالضرورة الحال في مجتمع غربي. لكل مجتمع ولكل ثقافة منظومتها الاخلاقية. وكل هذه المنظومات تتقاطع عند هذه القيم الأخلاقية العليا أو المطلقة ان شئت أن تسميها كذلك. ولكن كل ما هو خارج منطقة التقاطع هذه نسبي ويخضع للتبدل والتغيير.

  3. حسنا أشكر لك دعوتك لي بالاطلاع على الجزء الثاني..
    الواقع أنني أرى أن سمير لم يكن موفقا في اجابته بالنسبة للجزء المتعلق باستخدام البوصلة الداخلية للمتدينين..
    فسمير تناول أحكاما بعيدة عن الأخلاق أنفسها..والواقع أنني لا أنتظر حوارا يمكن تقييمه بأنه ممتاز طالما كان تخيليا من قبل أحد الطرفين، فبالطبع، لن يجيب كاتب الحوار عن أفكار نفسه، وهو يراها بالطبع بلا رد وإلا ما تبناها..وهنا يظهر قصور العقل دائما في تأسيس الفكرة، العقل ممتاز ورائع في التعامل مع المادة وتصريف أمور الحياة بشكل جيد، لكنه قاصر دائما في فلسفة أصل الحياة، لا يعرف الصواب من الخطأ بشكل يقيني أبدا..

    هناك خلط قد حصل، هل وجود الأخلاق مستقل عن وجود الدين أم لا؟
    وخلط بين هذا المفهوم و: هل الأخلاق مستمدة من الدين أم لا؟

    بالنسبة للاسلام، نجد حديثا عن الرسول صلى الله عليه وسلم (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)..فالأخلاق موجودة، أصلا، وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم ليأمر بها ويأمر الناس باستكمال ما فاتهم منها..لأسباب أظنها ستتضح فيما هو قادم..
    ويؤيد ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم عن حاتم الطائي أنه كان يحب مكارم الأخلاق..
    فهذه النقطة لا أظن أننا قد نختلف فيها كثيرا..

    -هل الأخلاق استمدت من الدين؟..أم استمد الدين منها؟
    حسن، هذا السؤال يسطح العلاقة بين الدين والأخلاق، بالنسبة للاسلام..
    فهناك مفهوم (الفطرة) وهو ما عبر عنه سمير بالبوصلة الداخلية، وهي شئ نولد به جميعا، هذه الفطرة يراها الاسلام هي انها مما جاء لرعايته..دون حاجة لكثير من التنظير..فكل ما يتسبب به الانسان لغيره من الأذى مرفوض، كل ما يضاد القيم المطلقة (الحق والخير والجمال) مرفوض..يدرك ذلك بمجرد ولادته..

    ثم يعتبر الدين نفسه قد جاء لحماية هذه المفاهيم، طالما أن الدين هو النظام الذي شرعه ذات من (خلق) هذه المفاهيم في هذا الانسان بولادته..

    ضرورة الدين في الحفاظ على هذه المفاهيم تأتي مما يتقاذف الانسان من الأهواء، هذه الأهواء في كثير من الأحيان يسميها الانسان بالعقل..فالانسان حقيقة لا يدرك عندما يصغي للهوى بأنه يصغي للهوى فعلا، ولا يدرك أنه يتبنى فكرته بناء على انفعال أو هوى، أنها نتاج هوى أو انفعال أو منطق، والمنطق ليس واحدا فهناك أكثر من منطق، كذا فالعقل ليس واحدا وإنما هناك أكثر من عقل، وهذا العقل هو آداة تستخدم ما لديها من بيانات وخبرات في انتاج الجديد، قد تقصر الخبرات وقد تختلف، فتخرج النتائج غير وافية..
    مع كل هذا التحليق، ضاعت الفطرة أو (البوصلة) باصطلاح سمير..

    وهذا أعتقد أنه واضح في قيم الغرب اليوم، أمور كثيرة قد تغيرت وقيم كثيرة قد تغيرت بالفعل..لماذا؟..لأن هذا الشئ الداخلي في الواقع يحتاج إلى حمايته وفق مفاهيم قد تم استخراجها وتأسيسها بشكل واضح بعيدا عن أهواء البشر (المسماة بالعقل) فجاءت من قبل من أسس هذه الفطرة أساسا..

    قد يختلف تفسير النص الديني بشكل عام..
    لكن ليس في نطاق ما هو أخلاقي وماهو غير أخلاقي، انما يختلف في تشريعات أخرى تتعلق ربما بالتعبد وطريقته أو بعض الأحكام والتي هي أعقد من مستوى الأخلاق، المعروفة للجميع بداهة، أو منسية لدى من اعتمد الهوى العقلي فيها..

    للمزيد من الأفكار ربما تكن نافعة في هذا السياق أقترح عليك قراءة مقال الشاعر تميم البرغوثي:
    http://tamimbarghouti.net/Tamimweb/Arabic/articles/USAarticle.htm

  4. عمومًا يا أحمد هناك الكثير من الأشياء التي أتفق معك عليها. وهناك القدر اليسير من الأمور الغير واضحة أو الضبابية.

    فكرة الفطرة وارتباطها بالمثل الأخلاقية العليا أو المطلقة هو تأسيس جيد لما يجمعنا وأتفق عليه معك. هذه الأخلاق العليا هي لبنات ومكونات حضارية أساسية لا تستطيع البشرية بصفة عامة الاستمرار بدونها ومصيرها الفناء إذا تخلت عنها.

    ما قد اختلف معك عليه هو عندما اتخذت قيم الغرب الحالية مثالاً على فقدان الفطرة السليمة. في رأيي أن حكمك هذا قد يكون شابه بعضَا من سوء الفهم على قليل من الظلم للقيم الغربية. أقبل القول بأن القيم الغربية مختلفة عن قيمنا الشرقية. ولكن ما يسبب لي مشكلة هو التصنيف وتفضيل نظام على الآخر ثم الادعاء بأننا محايدون. لو خيرت أنا بين استخدام قيمي الشرقية أو قيم المجتمع الغربي سوف أختار قيمي الشرقية بالطبع لأنها جزء من تكويني، ولكن في نفس الوقت لن أتعامل مع القيم الغربية على أنها قيم فاسدة أو مهلكة. بكل بساطة القيم الغربية “غربية”، وتلائم المجتمع الغربي وتلائم طبيعتهم وحضارتهم. ولو حدث وانتقلت أنا إلى الغرب قد أتحول وأميل تدريجيًا ناحية القيم الغربية. لا أعلم درجة الميل وهل سأقبل كل قيمهم أم أقاومها ولكني أعلم أن الأجيال الجديدة تندمج بكل بساطة وتتلاشى قيم أبائهم. وسوف يكون ساعتها من الظلم أن أتهم أو يتهم أبنائي في أخلاقهم لأنهم ببساطة يعيشون حياتهم الطبيعية وفق نظام أخلاقي يرونه هم طبيعيًا وغير غريبًا عليهم. المشكلة هي استخدام نظامنا للحكم على نظامهم.

    دعني أرجع إلى موضوع ارتباط الدين بالأخلاق. وأنا هنا معجب برأيك بأن الدين قد جاء لحماية قيم ومثل أخلاقية أصيلة مرتبطة بطبيعة البشر أنفسهم. ولكن هل هذا هو فهم الغالبية العظمى من الناس؟ ألا تتفق معي أن هناك الكثيرين من يقصر القيم الأخلاقية في التعاليم والشعائر الدينية؟ ألا تتفق معي بأن الكثير من “الملتزمون دينيًا” يظنون أن الالتزام الديني هو نفسه الالتزام الأخلاقي؟ ألا ترى أن في ذلك دعوة لأن تصبح الأخلاق هي أخلاق الحاج عزام في عمارة يعقوبيان؟

    نقطة أخرى أرى أنها غير واضحة. أنت أشرت إلى صيانة الدين للقيم الأخلاقية حتى لا تفسدها أهواء البشر. أنا أريد بعضًا من أمثلة على قيم فاسدة جاءت نتيجة لغياب سلطة الدين وهيمة الأهواء البشرية.

  5. جيد..:)
    أولا: أنا بالطبع لست من أصحاب دعوى الحياد 🙂 أنا أعتبر أن الانسان نتاج وسط يعيش فيه وهو يتكلم دائما بلسان انسان ينتمي -لزوما- لوسط ما ولا يمكنه أن يكون محايدا، في النهاية يجب أن يعتمد محددات لأي حكم، وهذا في حد ذاته انحيازا، وهو لا يعيب أحد ما دام الجميع متساو فيه..
    لكنني بدلا من ذلك أحاول تحري الموضوعية، وهي تختلف عن الحياد بأن انحيازي سوف يكون -بقدر ما أستطيع- مبررا وواضح الأسباب 🙂

    ثانيا: بالطبع أنا لم أدع أفضلية النظام الأخلاقي الشرقي وأعتبر أن مخالفة النظام الغربي له هو مخالفة الفطرة..الواقع أن حتى النظام الاخلاقي الشرقي الحالي ينطبق عليه -ولو بدرجة أقل في رأيي لأسباب يطول شرحها- نفس ما ينطبق على النظام الغربي..
    لكنني ضربت مثلا بالنظام الأخلاقي الغربي على نقطة واحدة: هي امكانية تغير المنظومة القيمية وفق الأهواء البشرية، فما كان (غير أخلاقي) في الغرب منذ مئة سنة قد أصبح أمرا شخصيا في أسوأ الظروف اليوم..هذا ما كنت أود توضيحه وضربت مثلا بالغرب لوضوح هذا الأمر فيه..
    في خلال المئة سنة الماضية تغيرت العديد من القيم الغربية بوضوح، كذلك بالنسبة للقيم الشرقية بدرجة أقل، واستشهدت بالغرب لوضوح هذا الأمر فيه إذ أصبح مفتوحا لغياب أي مرجعية حامية تطرح نفسها بقوة هناك..

    ملاءمة المجتمعات هي قيمة وهمية يبتكرها العقل، ففي الحقيقة أن ملاءمة المجتمع هو أمر يحتاج للتدليل عليه وليس قيمة يمكن الاعتماد عليها في اثبات مناسبة أمر ما من عدمه، فلو كانت كل قيمة أخلاقية موجودة في الغرب -أو الشرق- ملائمة لمجتمعاتها كان ادعاؤنا بأن منظومات القيم في الشرق والغرب خالية تماما من المشاكل والعيوب..وهذا أمر أدعي أنه غير صحيح ويطول نقاشه..
    وبالفعل، يميل الانسان إلى قيم غيره بالمعايشة والاحتكاك وبعض التجارب، وهذا كله من عوامل إضاعة البوصلة التي اتفقنا أولا على كونها أساس الاخلاق..نعم يمكن أن تنتقل لك المنظومة الغربية بالمعايشة لكن هذا لن يعني أنها صواب وإنما هو يثبت ما قلته مسبقا بأن القيمة الاخلاقية المطلقة المتعلقة بقيم الحق والعدل والجمال، قد تشوه أو تخضع للتأثير في مخيلة الانسان، ولذا تحتاج لثابت يحميها خارج تخيلات الانسان ومشاكل العقل البشري من حيث امكانية التأثير عليه..

    بالعودة لموضوع ارتباط الدين بالاخلاق فأنا لا أستطيع الحكم على فهم غالبية الناس، ربما يخلط الناس بين المفهومين، وهو خلط وارد كنتيجة لاتفاقنا جميعا (ولو نظريا) على أن الالتزام بالأخلاق هو من شعائر الدين..فإذا قلنا أن الالتزام الديني هو الالتزام الاخلاقي فهذه الجملة قد تفهم على طريقتين:
    طريقة أعتبرها صحيحة: أن الملتزم دينيا لا يكون كذلك فعلا مالم يكن حسن الخلق..
    وطريقة أعتبرها خاطئة: أن الملتزم بشعائر ظاهرة أو حتى تعبدية كالصلاة والصوم هو من يعتبر صاحب أخلاق حسنة، وهذا غير صحيح حتى من الناحية الدينية الاسلامية، ورد في حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن امرأة كانت تصلي وتصوم، إلا أنها تؤذي جيرانها، فقال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم أنها في النار..

    وأخيرا فمن الأمثلة على قيم فاسدة جاءت لغياب سلطة الدين على نفوس الناس وهيمنة الأهواء البشرية، ففي نظري أن أوضحها بالنسبة لي: استحلال المراباة..
    بالطبع أستطيع تبرير قولي عقليا..لكن لا أظن أنه يجب فعل ذلك ما دمنا لم نختلف أساسا على كون العقل ليس هو المؤسس للأخلاق 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: