الخطة ب

مالذي قد يدفع بي إلى الاعتقاد أن الأحوال في مصر ستتحسن. وأعني بالأحوال مجمل ما يحدث في البلد من حراك سياسي وتفاعل اجتماعي وظروف اقتصادية ووضع أمني، أعني كل شيء وأي شيء. ما الذي يحثني على التفكير في العودة والاستقرار فيها بشكل نهائي. عمومًا أنا مازلت مصريًا مغتربًا اغتراب اقتصادي  في الامارات منذ 11 عامًا تقريبًا. لا ينقضي يوم إلا وأكون قد طالعت فيه أخبار مصر في كل وسائل الاعلام مقروؤة ومسموعة حتى اني استجوب كل من يكون عائدًا من القاهرة وأطلب منه تفصيلات أحيانًا أنا نفسي أعجب من قدرتي اللامتناهية على السؤال عن أدق التفاصيل.

عندما سافرت عن مصر في أواخر التسعينيات كنت حينها أترك ورائي بلدًا اعتقدته رائدًا في محيطه كما كنت أتصور أني خارج من بلدي لأسهم في تطور بلد آخر شقيق وأطور من إمكانياته إلى آخر تلك الخزعبلات الرخيصة. كنت أتمتع بالعديد من الاصدقاء والمعارف من محيط العمل وكنت اعتقد اننا متفقون فكريًا وعقائديًا على كل شيء تقريبًا. كان ذلك اعتقادي بينما لم تكن نقاشاتنا تتعدي الجدال حول طلب العشاء من رضوان في الدقي أو من محل البيتزا البلدي على مزلقان ناهيا، وأحيانًا يدور النقاش حول أفضل نكهات المعسل مع أني كنت غير مدخنًا بالمرة. عدا الكثير من التفاهات الأخرى. أعتقد اننا كنا صبيانيين بدرجة كبيرة ولم تتعد اهتماماتنا النواحي الشخصية ولا أذكر ان أحدًا منا كانت له ميولاً سياسية أو آراءًا محددة تجاه قضايا مصر في تلك الفترة.

ومع ذلك يمكنني القول أنه كانت لدينا نفس القاعدة العريضة من أشباه المسلمات العقائدية والفكرية. كنا نعتقد بشكل كبير في ريادة مصر، كنا نعتقد بشكل كبير بأننا بلد عظيم ذو حضارة عميقة في التاريخ ولهذا فنحن لنا حضور كبير في وبروز أكبر بين دول العالم. لم تكن أحداث 11 سبتمر قد حدثت بعد ولكننا كنا جميعًا ما نرفض ما يقوله الغرب عن الاسلام في تلك الفترة، وكنا نعتقد ان أية ممارسة خاطئة من عدد محدود من المسلمين فإنما هم لا يمثلون إلا انفسهم ولا ينبغي استخدام تلك الأفعال للحكم بها على جميع المسلمين وعقيدتهم. كنا نعتقد أن الغرب بعد انتهاء الحرب الباردة بينه وبين الشيوعية وخروجه منتصرًا يبحث عن عدو جديد، ووجد في الاسلام ضالته. ولهذا كان يستخدم أفعال “الجهلة والمتشددين” لشن الهجوم على الاسلام والمسلمين جميعًا. كنا نعتقد جميعًا أن هناك مسلمين معتدلين وآخرون متشددون، وأن مسئولية أية أحداث عنف أو عمليات ارهابية يعلن منفذوها أنهم بذلك يطبقون حكم الله أو شرعه انما تقع على هؤلاء المتشددون الذين يفسرون النصوص الدينة بصورة غير واقعية.

وبما أن مصر -على الأقل حتى الآن- لديها نسيج ديمغرافي شبه متجانس (أو على الأقل هذا ما كنت اعتقده) ، لم تكن لدينا خبرات أو احتكاكات مع ثقافات أخرى. وكنا نطلق الأحكام على جميع البشر بناءًا على خبراتنا المحلية التي لم تتعد حدود القاهرة وحتى في بعض الأحيان لا تتعدى حدود بعض الأحياء فيها. فالنسبة لنا وقتها كان خير أهل مصر من يقطنون قاهرتها أو اسكندريتها وبقية الناس في باقي المدن والأقاليم هم إما فلاحوون أو صعايدة. فكرتنا عن تقاليديهم هشة وفكرتنا عن السواحلية والبدو لا تتعدى السمسمية ومحمود عبد العزيز في فيلم اعدام ميت. تعلمنا بطريقة أو بأخرى ان مصر بالفعل هي أم الدنيا كنت فيها الحضارة ولا تزال وهي بالتأكيد ستظل مصدر اشعاع لكل الدول المحيطة.

عندما أفكر في زمن تلك الأيام، منذ 15 عامًا تقريبًا، لا يمكن أن أقبل أن يتهمني أحد بالعنصرية أو التشدد لمجرد أنني أؤمن بتطبيق الشريعة أو بعدم السماح لمصري مسيحي بأن يكون رئيس الجمهورية أو بتقييد بناء الكنائس. كنت اعتقد أنه طالما كان الأمر متسقًا مع أحكام الاسلام فلا يمكن أن يكون عنصريًا أو متشددًا. كنت أعشق الشيخ الشعراوي وأصف الشيخ القرضاوي بالتساهل وبأنه ممن يميعون الدين. وكنت لا آخذ بتعاليم شيوخ السعودية من أمثال الشيخ بن باز أو العثيمين، كانوا في نظري أمثلة ليست جيدة على تسامح الاسلام مع أصحاب العقائد الأخرى. والحقيقية فإن ذلك يرجع إلى أني عشت فترة بسيطة من مراهقتي في السعودية ولم تروقني الحياة هناك وأوعز ذلك إلى التشدد الديني والتدخل في الحياة الخاصة للأفراد. يعني كنت كعامة المصريين أو على كمن هم في محيطي. لم يكن يشغلني كثيرًا موضوع حقوق الانسان أو حقوق غير المسلمين أو معنى الاختلاف أصلاً لأني طيلة حياتي لا أرى أناس يختلفون عني وعن من هم حولي. كنت أرد على ممن ينتقد دعوة البعض إلى تطبيق الشريعة وبالذات موضوع الحدود بأن ذلك صيانة للمجتمع ولماذا الاعتراض طالما انت لا تريد أن تسرق أو تقتل أو تزني. لماذا الاعتراض طالما لا تريد أن تكون خارجًا على القانون. إلا إذا كنت ممن يريدون أن يشيع الفسق والفجور في المجتمع.

كان تفكيري أحادي الجانب، حيث كنت أقول في نفسي انني مسلم ومؤمن بأن الاسلام هو دين الله وكل ما عاداه على خطأ مطلق والاسلام دين الحق على الاطلاق. ولم تعنيني كثيرًا مسألة أن الدولة الدينية برد وسلام على أصحاب دين الأغلبية ونارًا وجهنم على أصحاب المعتقدات الأخرى. فليذهبوا إلى بلد آخر إن لم تروق لهم الأوضاع في مصر بلد الأزهر، يمكن للمسيحيين (ولم أكن أرى غيرهم وقتها) أن يهاجروا إلى أمريكا أو أوروبا وهم يفعلون بكثرة. هذه بلاد مسيحية وهم مسيحيون فليذهبوا هناك ويأخذوا كنائسهم معهم. كان لدي حقيقتي المطلقة وطريق الصواب الذي لا ينبغي أن يختلف على اثنان لأنه بكل بساطة طريق الله، وضعه لنا الخالق لنمشي عليه وهو أعلم بعباده وفوق كل ذي علم عليم. ولهذا كان لابد وأن تكون الغلبة والقوامة للمسلمين وشريعتهم على بقية الناس ومعتقداتهم. وبما أن للمسلمين الأغلبية في مصر فالحكم للأغلبية إذن. أليس هذا هو المنطق والعقل. هكذا اعتقدت.

ولكن الموضوع يتغير تمامًَا بعد أن يترك الفرد كل هذا وراءه ليبدأ ليرى الحياة بعيون جديدة. عيون عالمية وليست محلية أو اقليمية. عيون تصبح لديها القدرة أن تعلم أنه ،مهما كلف الأمر، سيظل البشر مختلفون في معتقداتهم كما هم مختلفون في عاداتهم وتقاليدهم. وعلى الرغم من تذمر الرأي العام الوطني الإماراتي المتواصل من العمالة الأجنبية والخلل في التركيبة السكانية، كان لذلك التنوع البشري أكثر الأثر في أن أرى مدى الاختلاف الذي عليه بنو أبينا آدم واتعلم على أرض الواقع بأن الناس مختلفون بعيدًا عن مجرد قبول تلك الفكرة في إطار محلي داخل مصر وعلى خلفية أن الاسلام يصلح لكل مكان وزمان وأنه يكفل حرية العقيدة للجميع. وعلى الرغم من هذا التأثر بالتنوع البشري في الإمارات، كانت زياراتي القليلة لبعض مدن أوروبا وأمريكا بمثابة فاتحًا للعيون على حقيقة مهمة للغاية. لم أرى ذلك الغرب المتعفن الساقط في الملذات الغارق في مشاكله الاجتماعية والتي انهارت فيه الأسرة وأصبح الناس كالبهائم. لم أرى عريًا ولا انحلالاً، ولكني رأيت شعوبًا عاملة راقية تعبت وجهدت حتى استحقت ما هم فيه من رقي. نحن نفتري عليهم فقط لأننا نعاني من مشاكل جمة في الفهم والمنطق. نحن يا سادة نعاني من عنصرية بغيضة في دولنا العربية ومصر بالذات. بل أن الكراهية العلنية والتخوين أصبح شيئًا عاديًا تراه على التليفزيون.

خلاصة القول أن الكثير من المصريين قد تعلموا ذلك على يد النظام نفسه الذي تعود أن يمارس العنصرية على أفراد الشعب مستخدمًا الدين والعرق والمكانة الاجتماعية والنفوذ المادي والسلطوي، ثم انحدرت الكثير من القيم مثل العمل والثقافة والتعليم والفن وأصبح الجميع مشغولون بهمومهم اليومية في مشهد يتصارع فيه الجميع من أجل المال والسلطة بجميع أشكالها ومراتبها. انحدرت كل القيم وانزلق الجميع إلى ممارسات أقل ما توصف انها غير أخلاقية. استخف البعض بقيمة الحياة فغرق المصريون في البحرين الأبيض والمتوسط بالآلاف في العبارات وعلى مراكب الهجرة. ضاعت قيمة العلم والعمل فانتحر طالب في ريعان شبابه درس وجهد وعندما راح يحقق حلمة في أن يصبح ممثلاً لبدله بين الأمم أخبروه بأنه غير لائقٍ اجتماعيًا لأن أبيه موظف بسيط. ضاعت قيمة الأيمان فأصبح المسلمون والمسيحيون يتنافسون على الأسلمة والتنصيروكأن الدين بالعدد كالليمون. ضباط الداخلية الذين يفترض فيهم الحفاظ على الأمن أصبحوا هم مثار خوف المصريين على حياتهم وكرامتهم بعد أن اصبحت أسلحتهم قراطيس ورق وعصي في مؤخرات المواطنين، فاستبدلوا قيمة الأمان بالهلع والخوف والمشي جنب الحيط. وأخيرًا ضاعت كل قيم الرحمة والتسامح عندما تجمعت قرية بالكامل، ولم يكن فيهم عاقل واحد فهاجموا وروعوا جيرانهم ثم حرقوا بيوتهم لا لشيء إلا لأنهم يعبدون الله بطريقة مختلفة عنهم. لم يرتكبوا ذنبًا ولم يؤذوا أحدًا. لم يسرقوا ولم يقتلوا ولم يغتصبوا ولم يرتكبوا جرمًا واحدًا يستحقون على أثرة أن تنزع الرحمة عن قلوب جيرانهم. والأدهى أن يبارك ذلك العمل المجرم غير قليل من المصريين وتغض الدولة الطرف عن كل هذا. وفي نفس الوقت توصي لجنة برلمانية رسمية تفيذ أحكام الإعدم علنًا حتى تكتمل أركان المجتمع المهووس بالعنف والقتل والحرق والشنق.

هل هذه بلدي؟ هذه ليست بلدي… أرجعوا لي بلدي الذي كان للناس منارة  فأصبح الآن خرابة. لا أريد لأطفالي ولا لأطفال أحد ممن أحبهم أن يعيش في مجتمع كهذا تنحصرالأخلاق والشرف فيه على أعضائك التناسلية. ولهذا كانت الخطة ب التي تقتضي بأن لا أترك سعاد ولكن الركب حتمًا مرتحلاً.

رد واحد

  1. الخطة ب تراودني بعنف بالغ …

    حسبي الله و نعم الوكيل

    تدوينة معبرة جداً الصراحة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: