فداءً للحجاب

أزعجني بشدة مقتل مروة الشربيني زوجة المبتعث المصري في ألمانيا. وما أزعجني أكثر هو الدافع وراء ارتكاب الجاني لجريمته تلك. أمقت العنصرية والقومية والوطنية والعشائرية والطائفية وكل أنواع التحزب والتجمعات البشرية على أسس عرقية أو وطنية أو دينية. فبقدر استعداد بعض أعضاء هذه الجماعات بأن يضحوا بأرواحهم في سبيل دينهم أو بداعي وطنيتهم أو عنصريتهم، فإن لديهم نفس القدرة على ارتكاب الحماقات بإسمها أيضًا.

هناك أشياء أخرى أزعجتني في ذات الموضوع وأحب أن أتوقف عندها قليلا.

ألم نبالغ قليلاً في ردة الفعل؟ مسيرات ونداءات وشعارات كبيرة واسعة فضفاضة أكبر بكثير من مقاسنا. هذه السيدة قتلت على يد مجرم من جماعة معروف عنهم كرههم الشديد لكل ما هو أجنبي وخصوصًا إذا كان هذا الأجنبي من الشرق الأوسط. موضوع كراهية العرب ليس بجديد، اعتقد أن لدينا شعور عارم بالاضطهاد. وهذا الاضطهاد نعاني منه داخليًا قبل معاناتنا منه في الخارج.

ثم ما هذا اللقب الذي أطلقوه على الضحية؟ “شهيدة الحجاب”؟ هذه السيدة تم الغدر بها وسط المحكمة وهي تطالب بحقها القانوني بعدم تعرض ذلك المجرم لها ولأسرتها. لم تكن تدافع عن حقها في ارتداء الحجاب، ولم تمنعها السلطات الألمانية من ذلك. هذه السيدة لم تمت في سبيل قطعة من القماش، هذه السيدة فقدت حياتها ثمنًا لمطالبتها بتحقيق العدالة. الموضوع ليس له علاقة بحق السيدة في ممارسة شعيرة من شعائر الدين حتى نخترع هذا اللقب السخيف.

Advertisements

حرق منازل البهائيين وشعور المصريين وتحريض جمال عبد الرحيم

لم يكن يخطر ببالي ولو للحظة أنه من الممكن أن يتجمع أهالي قرية الشرانية  بمحافظة سوهاج في مشهد يشبه “جواز عتريس من فؤادة باطل” ثم يقوموا بحرق أربعة منازل لبهائيين بالقرية. ومع أن هلم يكن يخطر ببالي ذلك السيناريو إلا أنني قد أوعزت ذلك لانعزال القرية وجهل أهلها. ولكن الآتي هو ما صدمني:

1.

كان تصرف الشرطة مخزي للغاية حسب التقارير الاخبارية. ويقال انها أخرجت المعتدى عليهم من القرية “حافظًا على سلامتهم” مما اعتبرته الكثير من المنظمات الحقوقية تهجيرًا قسريًا. أيضًأ حسب التقارير لم تقم الشرطة بالجهد الكافي لمنع الاعتداءات بل وتكاسلت عن القبض على المخربين وقامت في أغلب الأحيان بتفريق المتجمهرين ومن فيهم من المخربين.

2.

جمال عبد الرحيم الصحفي في جريدة الجمهورية حرض تحريضًا مباشرًا ضد ضيفين بهائيين في برنامج الحقيقية الذي يقدمه وائل الإبراشي على قناة دريم. ومنهم المواطن المصري من نفس القرية السوهاجية أحمد السيد. وفي مداخلة للصحفي جمال عبد الرحيم قال موجهًا كلامه إلى وائل الإبراشي متحدثًَا عن أحمد السيد:

جمال: أنا لا أعلم هو منين..البهائية موجودة في قرية في سوهاج اسمها الشرانية أكيد هو من هذه القرية وهم أعداد قليلة ويقال عنهم كلام هناك .. كلام في منتهى الخطورة .. يقال فيهم كلام شواذ وهناك وكلام في منتهى الخطورة يقال عنهم في هذا المكان. ويقولي سوهاج فيها أعداد كبيرة.. أعداد كبيرة منين.. سوهاج بريئة من أمثالك.. فعلاً هذه المحافظة المحترمة التي أنجبت علماء الأزهر الشريف مثل الشيخ رفاعة الطهطاوي والشيخ المراغي

حتى وائل الإبراشي هو الآخر لم يسلم من بث بعض التحريض المغلف عندما أشار إلى امكانية أن يقوم أحد مواطني القرية بتنفيذ حد الردة على أحمد السيد:

وائل الإبراشي: طيب يا استاذ أحمد انت كنت مسلم في الأصل وتعلم ان اعتناقك للبهائية هناك تيار شديد حيقول انه يجب أن يطبق عليه حد الردة. هل كانوا يطالبون في البد بتطبيق حد الردة عليك؟
أحمد السيد: أيوة كانوا..ولكن الله فوق الجميع
وائل الإبراشي: كنت بتخاف وتقعد في البيت
أحمد السيد:وكنت نقعد باليومين مانخرجش.. وفي الأخر نخرج علشان مصالحي وزرعي وأرضي
وائل الإبراشي: وممكن انه يندفع البعض لتطبيق حد الردة عليك ويقتلك يعني
أحمد السيد: جنعمله إيه يعني حنقولة ماتقتلنيش؟

الأخطر في حلقة وائل الإبراشي تلك هو التحريض المباشر الذي قام به الصحفي جمال عبد الرحيم في حق السيدة بسمة جمال موسى حين قال لها في منتصف البرنامج إثر دعوة وائل الإبراشي لجمال عبد الرحيم بأن بهنئها بعيد النيروز:

جمال: انا معتقدتش أن أي واحد مسلم في مصر ممكن يقول لواحدة مرتدة كل سنة وانتي طيبة
بسمة: لأ ما تغلتطش
جمال: لأ انتي مرتدة هو أنا قلت… لأ دة مش خطأ .. هو دة خطأ يا أستاذ وائل؟.. لما واحدة اسمها بسمة جمال محمد موسى تبقى مرتدة واحدة بتنكر القرآن تبقى مرتدة… واحدة يجب تطبيق حد الردة عليها.عايزاني أقولك كل سنة وانتي طيبة أقول لواحدة مرتدة كل سنة وانتي طيبة.

ومرة أخرى في نهاية البرنامج عندما طلب وائل الإبراشي من ضيوفه التعليق الأخير على احتفال البهائيين بعيد النيروز ورأس السنة البهائية:

جمال:دول ناس مرتدين عن الدين الاسلامي وللأسف الشديد بيردد أسات قرآنية وهو مرتد. الرسول عليه الصلاة والسلام قال من بدل دينه فاقتلوه.
بسمة: ماقالش .. ماقالش
جمال: انتي حتتكلمي انتي عن الرسول يا مرتدة.. يا مرتدة ماتقاطعنيش.. انتي واحدة مرتدة
وائل الابراشي: يا استاذ جمال وجه كلامك ليا
جمال: ماتقاطعنيش لو سمحت.. دي واحدة مرتدة
بسمة: أوعي تغلط
جمال: دي واحدة مرتدة يجب قتلها
بسمة: يعني انتي دلوقتي على (الهوا) بتعمل دعوة للقتل
وائل الابراشي: يعني هذا البرنامج يا أستاذ جمال لن يكون ساحة للدعوة لقتل أحد

الحلقة بالكامل موجودة على الـYouTube ومن الممكنويمكنك التأكد بنفسك من لغة التحريض هناك. الحلقة مضافة على 5 أجزاء هذا هو رابط الجزء الأول: http://www.youtube.com/watch?v=3usdvcu1fVQ

أيضًا من الغريب أن ينكر الصحفي جمال عبد الرحيم أنه دعا إلى قتل السيدة بسمة موسى وادعائه من خلال برنامج المحور 48 ساعة انه لم يقل “يجب أن تقتل” ولكنه فقط ردد حديث “من بدل دينه فاقتلوه”.

3.

آخر شيء وهو مصيبة كبيرة وهو ما أصابني بالقنوط واليأس تمامَا هو تعليقات المصريين على خبر حرق منازل البهائيين في سوهاج. تابعت التعليقات وكانت أغلبها تحريضية مليئة بالكراهية. أترككم مع عينة من تلك التعليقات من موقعي العربية.نت ومصراوي:

أولاً عدد من تعليقات بعض قراء العربية.نت على الخبر: أخبار الأخيرة | حرق 4 منازل لمصريين بهائيين بعد ظهور أحدهم في برنامج تلفزيوني

Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket

ثانيًا: عدد من تعليقات بعض قراء مصرواي على الخبر: مواطنون يحرقون منازل بهائيين فى سوهاج ومنظمات حقوقية تطالب بمحاكمة المسئولين عن الاحداث

Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket
Photobucket

بطاقة الرقم القومي وخانة الديانة

وها هو الحزب الوطني يطل علينا بنيته لإلغاء خانة الديانة من البطاقات الشخصية أو ما بات يعرف ببطاقة الرقم القومي. وكان لهذا الموضوع مقدمات ولم يأتي هكذا من فراغ أو من إحساس الحزب الحاكم أن عليه مسئولية في أن يظل هذا البلد متماسكًا وألا ينزلق إلى الطائفية البغيضة. اعتقد أن لحكم المحكمة الإدارية العليا بأحقية البهائيين في أن تصدر لهم بطاقات بدون ذكر الديانة التأثير الأكبر في أن يتوجه التفكير الآن إلى إلغاء تلك الخانة ونرتاح من هذا الموضوع إلى الأبد.

لا أرى أية فائدة لذكر الديانة في البطاقة الشخصية مع بعض المعلومات الأخرى كالعنوان والحالة الاجتماعية والوظيفة. ما اعرفه أن هذه البطاقة هي لإثبات الشخصية. مجرد مستند رسمي يثبت أنك أنت الشخص الذي تدعيه.

ما فائدة ذكر محل الإقامة وانت من الممكن أن تلملم أشياءك وتسكن في مكان آخر؟ أنت نفسك، أخرج الآن بطاقتك الشخصية وأنظر إلى محل الإقامة وأخبرني أنك ترى البيان الصحيح. كم منا في مصر يحمل البيان الغير صحيح في بطاقته الشخصية. من الطبيعي ان تغير محل اقامتك من وقت لآخر بالذات إذا كان محل اقامتك شقة مؤجرة. لا أرى فائدة لذكر محل الاقامة غير أن يضايقك ضابط الكمين حارس أمن باب قاهرة المعز ويرجلك من الميكروباص ليفتشك كونك من الدخلاء على العاصمة. أو أن يقول لك موظف الفيش والتشبيه بكل ضجر “روح اعمل الفيش في قسم السيدة زينب زي بطاقتك ما بتقول .. ماينفعش تعمله من هنا” ثم تضطر لأن ترشيه بخمسة جنيهات لأنها أقل من أجرة التاكسي إلى قسم السيدة فيقول لك “طيب ارتاح شوية على الكرسي يا بيه لغاية ما اعبي البيانات في الفيش”

ما فائدة ذكر الحالة الاجتماعية؟ لماذا أمشي وأنا في جيبي ما يذكرني بأني مطلق أو أرمل؟ أعلم أعلم يا ذكي ماذا ستقول… يكفي جدًا أن تتعهد المرأة عند عقد قرانها أنها ليست متزوجة ويكون لذلك تبعات قانونية ان ظهر العكس في خلال أيام عند تسجيل الزواج الذي من المفروض أن يكون إلزامي. وأنا لست مسئولاً عمن يتزوجون عرفيًا أو بورقة لحمة. ثم ان سجلات االشرطة والمحاكم مملوءة بقضايا سيدات تزوجن وهم ما زلن متزوجين من آخرين. وما الذي يمنع شابة من أن تتزوج أربعين رجلاً ببطاقتها الشخصية المذكور فيها انا لا زالت عزباء. فهذا البيان لا يتغير أوتوماتيكيًا بمجرد عقد القران أو ترديد الجملة السحرية “زوجتك نفسي”.

كما لا أرى أية فائدة عظيمة من ذكر الوظيفة غير التباهي بها على خلق الله أو استخدامها لإرهابهم. كم كمنا ما زال يحمل عبارة “طالب” وهو متخرج من الجامعة ويعمل منذ سنتين. كم منا يحمل عبارة “حاصل على ….” وهو يعمل بالفعل. بل كم كم الشعب المصري يحمل عبارة “بدون عمل”؟ ثم ألا نغير وظائفنا باستمرار؟ أعلم منكم من هو متخرج منذ عشرة أعوام وعمل في أكثر من عشرين وظيفة. هل بيان وظيفتك الحالي يعتد به؟ إلا إذا كنت من الزوار الدائمين لمصلحة الأحوال المدنية.

نرجع إلى خانة الديانة. من المدافعين عنها من يقول: “يعني أنا مسلم لما أجوز بنتي ممكن أجوزها لمسيحي بالغلط؟ خانة الديانة في الحالة دي مهمة وحتعرفني إذا كان عريس بنتي بيخدعني ولا لأ”

والله إنه لكلام ناس مغفلين. أتريد أن تخبرني أن ابنتك ستتزوج على الناصية من أول انسان يمر. أتريد أن تخبرني أنه عندما يتقدم أحد لابنة أحدهم سيقول له “وريني بطاقتك؟”. لنكن واقعيين إذن. في جميع الأحوال سيكون العريس معروف وقت الزواج وهذه الحجة واهية جدًا ولا تنطلي على أطفال.

سيقول آخر: “يعني لما واحد مجهول يموت ندفنه مع المسلمين ولا المسيحيين”

نقول للأخ: لو أن هذا المجهول مات وبحوزته بطاقته الشخصية فيمكن عن طريقها معرفة جميع بياناته المخزنة على كمبيوتر وزارة الداخلية وعن طريق ذلك يمكن الاستدلال على أقاربه وسيتولوون هم دفنه أو حتى حرقه إن أرادوا. أما إن لم يستدل على أهله فسيعرف كمبيوتر وزارة الداخلية أيضًا إذا كان الفقيد المجهول مسلم أم مسيحي أو يهودي أو بشرطة. ويتم تدخل الشرطة في جميع الأحوال حتى مع وجود خانة الديانة. فمن غير المرجح أن يقوم الناس بدفن الجثث المجهولة هكذا بدون ابلاغ السلطات. والحالة الثانية إذا كان المجهول هذا بدون بطاقة شخصية لا سمح الله. في هذه الحالة قل لي بالله عليك كيف ستنفعك خانة الديانة في بطاقة شخصية غير موجودة أصلاً؟

الجدير بالذكر ان العديد من دول العالم ليس لدى مواطنيها ما يسمونه بالبطاقة الشخصية أو بطاقة الهوية. فالمولود مثلاً في الولايات المتحدة يحصل على شهادة ميلاد ثم على بطاقة الضمان الاجتماعي Social Security Card والذي لا توجد به صورة شخصية ولا أية بيانات غير الاسم ورقم الضمان الاجتماعي. لا توجد بطاقة شخصية بالمعنى المفهوم في الولايات المتحدة ولا توجد هيئة فيدرالية تقوم بإصدار أية صورة من صور بطاقات الهوية. كانت هناك محاولات تشريعية عديدة لفرض بطاقة هوية فيدرالية على جميع الأمريكين ولكن تلك المحاولات لم يكتب لها النجاح لمعارضة المشرعين المحافظين والليبراليين على حد سواء. كانت بطاقة الهوية بالنسبة لهم سمة من سمات المجتمع التوليتاري أو الشمولي.  ودائمًا ما يستخدم الأمريكيون رخصة القيادة كإثبات للشخصية. والذين لا يرغبون في قيادة السيارات ولا يرغبون في استخراج رخص للقيادة يمكنهم التوجه لنفس الإدارة الحكومية التي تستخرج رخص القيادة لاستخراج ما يسمى بـ Non-driver identification cards.

الوضع مختلف قليلاً في الدول الأوروبية عنه في الولايات المتحدة باستثناء المملكة المتحدة التي تنتهج نفس الولايات المتحدة. فمعظم الدول الأوروبية لديها بطاقات هوية ولكن ولا واحدة من هذه الدول تضع في هذه البطاقات خانة للديانة أو الحالة الاجتماعية أو الوظيفة وفي أحيان كثيرة يكون عنوان السكن غائبًا أيضًا.

id_card_austrian

وقد يقول البعض: “يا أخي واحنا مالنا ومال الغرب خلينا في البلاد اللي جنبنا .. خلينا في الدول العربية”

البحرين لا تظهر على بطاقات الهوية الخاصة بها خانة للديانة مع أن بطاقة الهوية متاحة للمواطنين والمقيمين من جميع الجنسيات على حد سواء. كذلك الإمارات العربية المتحدة مع مشروع بطاقة الهوية الجديد.

id_card_bahrainpreviewولكن قد يقول البعض أيضًا أن هذه الدول حديثة العهد ببطاقات الهوية وربما قد تكون تعرضت للضغط من قبل الحكومات الغربية فخرجت بطاقاتهم بهذا الشكل الذي يتجاهل ذكر الدين في البطاقة الشخصية. ولكن هناك من الدول العربية التي تصدر بطاقات الهوية منذ زمن بعيد ولا تضع الدين ضمن بيانات الهوية. مثل العراق ولبنان وسوريا.

id_card_iraq

المعترضين على حذف خانة الديانة من بطاقة الرقم القومي ليس لديهم أية أسباب منطقية لبقائها ولا أستطيع أن أفكر في أي سبب وجيه لأن تظل هذه الخانة التي تفرق بين مواطنين لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات. وكم من بلد كانت تظن أنها في مأمن من النزاعات الطائفية حتى تم التقتيل بين مواطنيها بناءً على خانة الدين وليس بلبنان ببعيد حيث تم التقتيل على الهوية. والجدير بالذكر أن لبنان لم يكن يذكر الديانة فقط بل كان يذكر الطائفة كذلك حتى يعطي الفرصة للتقتيل داخل أبناء الدين الواحد.

المعترض يتملكه شعور المؤامرة على الدين الاسلامي ويتخيل أن حذف خانة الدين من البطاقة هو حذف لدينه من أهم ورقة رسمية يحملها دائمًا في جيبه وداخل محفظته. اتعجب كثيرًا من ردود المعلقين على أخبار أو مقالات تنوه أو تطالب بحذف خانة الديانة من البطاقة الشخصية واحس بحجم التهديد الذي يتملكهم. قد أكون متفقًا معهم في نقطة وحيدة، وهي أن النظام المصري قد يكون واقعًا تحت ضغط الدول الغربية في هذا الشأن، ولكني في نفس الوقت أشجع وأثني على الدول الغربية إن كانت تمارس مثل هذا الضغط على النظام المصري ليمرر هذا التعديل.

على فكرة… حتى جمهوري اسلامي إيران أو الجمهورية الاسلامية الإيرانية لا تضع خانة للديانة في بطاقات الهوية الإيرانية على الرغم من تعدد الديانات داخل المجتمع الإيراني. حتى أن بطاقة الهوية للإمام الخوميني خلت من خانة الديانة.

id_card_komaini

أخيرًا أرجو من السادة الذين لديهم أية أساب يرونها منطقية وعملية للإبقاء على خانة الديانة في بطاقة الرقم القومي أن يساعدونا على فهم هذه العلة في بقائها ويعددون لنا الأسباب التي تجعلنا نتمسك بها. دمتم بعقولكم

ولم يشفع لها حجابها ولا تزال الأصابع قادرة على الإختراق

والآن لم يعد ينفع الحجاب والعباءة. ها هي الزوجة الشابة بنت الـ 23 ربيعًا يعبث بجسدها نجار مسلح وسط الشارع وحول المارة وهي ترتدي حجابًا وعباءة وقفازًا وتمشي في الشارع في حالها. الآن كيف سيفسر المهابيل الذين يحملون البنت المسئولية الكاملة هذه الحادثة. أراهنك أنهم سيقولون أن قفازها كان ضيقًا جدًا بحيث كشف عن تفاصيل أصبعها الأوسط مما أثار في نفس المتحرش رغبة جامحة لم يقدر على أثرها أن يتحكم في نفسه.

ذكرتني هذه الحادثة بالهجوم الكاسح على بيسو عندما وضع هذا على مدونته. نحن الآن نفهم لماذا على سيداتنا وبناتنا أن يبدؤوا ثورتهم الثانية. ثورتهم الأولى كانت ثورة الحجاب التي بدأت في ثمانينات القرت الماضي ووصلت الآن إلى قمتها حتى غطى الحجاب الآن الغالبية العظمى من رؤوس المصريات. الثورة الثانية لابد وأن تكون ثورة الدروع لأن العباءة والإسدال والحجاب قد تحميكي سيدتي من العيون ولكن لا تزال الأصابع قادرة على الإختراق والوصول إلى العمق. الآن تأتي الفرصة لأبرار هذه الأمة حتى يخرج أحدهم بمشيئة الله علينا بما تحتاجة الفتاة المسلمة. نحن في حاجة إلى درع الفتاة. تدرعي أختي فالدرع أكثر صيانة لك.

جدل عقيم .. الحلقة الثانية

في أغسطس من العام الماضي اخترت أن اترجم فصلاً من أحد كتب الفلسفة الشيقة التي قرأتها. الفصل يتناول أصل القيم الأخلاقية ويتسائل: إذا لم يكن هناك أديان فهل كان بمقدور الإنسان أن يطور نظمًا أخلاقية؟ عندما بدأت بترجمة ذلك الفصل أصابني التعب وقررت أن اقوم بإنجازه على حلقتين ونشرت الحلقة الأولى وكان في نيتي ترجمة بقية الفصل بعد ذلك بأيام. ولكني كسول، وها أنا بعد ذلك العدد غير اليسير من الشهور أقوم بنشر جزء آخر لا أعلم -الآن وقت كتابة هذه السطور- إن كنت سأصل إلى نهاية الفصل. وأنا أفعل ذلك أدعوا المعلق الوحيد على الجزء الأول (أحمد نصر) أن يأتي ليكمل القراءة. يمكنك قراءة الجزء الأول هنا (جدل عقيم – رقم واحد)

سميرة: لا عزيزي، سبق وأن بينت لك أن ما أفعله ليس له علاقة بأي التزام أخلاقي تجاهك. ولكننا عزيزي بدون الرب لا يوجد لدينا أي دافع لنكون أخلاقيين، أليس كذلك؟ بدون وجود الرب ما الذي يدفعنا أصلاً إلى أن نفعل الصواب ونتجنب فعل الخطأ؟

سمير: لماذا تظنين ذلك؟

سميرة: لأن السبب في ذلك هو خوفنا من عدم رضا الرب عنا وأنه سيعاقبنا إذا لم نطع أوامره، هذا هو الذي يبقينا على السراط القويم. لأنه بدون وجود هذا العقاب الإلهي لا يوجد أيضًا أي سبب يجعلنا نتصرف بحكمة. ولهذا عزيزي لابد لعادل أن يلتحق بمدرسة دينية.

يتفق الكثير من الناس مع مدام سميرة في أنه بدون وازع ديني قوي فإنه من المرجح أن تنهار القيم الأخلاقية لدى الناس. يقول فولتير (1694-177) على سبيل المثال، وهو الفيلسوف المشهور والذي كان يمنع أصدقائه من مناقشة المواضيع اللادينية أمام أهل البيت من خدم وغيرهم: “أفضل أن يكون كل من يعمل لدي، المحامي والخياط، والخادم، والسائق، بل حتى زوجتي، أفضلهم جميعًأ مؤمنين بالله. بهذه الطريقة سوف لن يخدعونني ولن يسرقونني كثيرًا”

ولكن هل صحيح إن لم نكن نؤمن بالله فسوف تنهار أخلاقنا؟ أصبحنا نرى العديد من حولنا لا يؤمنون بالله ويصرحون علانية بأنهم ملحدون، ولكننا في ذات الوقت نراهم يقولون عن أنفسهم أن لديهم نظامهم الأخلاقي والمستمد من غير ذات القيم الدينية التي نستمد منها نحن نظامنا الأخلاقي. بل أن الكثيرين من العلماء الذين يجلهم العالم والذين قدموا خدمات جليلة للبشرية كان معروف عنهم أنهم ملحدون ولم يتهمهم أحدًا بالانحطاط الأخلاقي. ولهذا السبب نفسه نرى الأستاذ سمير يقول أنه من الصعب الادعاء بأن المؤمنين بالله يتمتعون بأخلاق أسمى وأنبل من أخلاق غيرهم من غير المؤمنين.

سمير: لا أستطيع أن أنكر أن هناك الكثير من المؤمنين النبلاء والذي أثروا الحياة الانسانية بإسهاماتهم الجليلة. ولكن في نفس الوقت يوجد الكثير من المؤمنين الجشعين الحقيرين والذين عاثوا بالأرض فسادًا. بل أكثر من ذلك، فإنه توجد أمثلة الكثير من الأعمال اللاأخلاقية والتي تمت ممارستها باسم الرب نفسه. فما الحملات الصليبية ومحاكم التفتيش وتفجير برجي مركز التجارة العالمي إلا أمثلة بسيطة على ذلك. وفي الحقيقة فإنه يبدو لي أنه في بعض الأحيان فإن الإعتقاد الديني قد يروج للأعمال اللاأخلاقية بنفس القدر الذي يدعو به إلى مكارم الأخلاق.

سميرة: أتفق معك في جملتك الأخيرة، فقط لأني أعتقد أن كل الأديان الأخرى غير صحيحة.

ولكن سمير يستمر في جداله ويشير إلى أن الناس الذين يفعلون الصواب بناءًا على خوفهم من العقاب الإلهي لا يمكن أن نعتبرهم خلوقين:

سمير: عزيزتي، إن من يفعل الصواب ويأتي بالأعمال الخيرة من واقع احترامه واهتمامه بآدمية الآخرين لعلى خلق أسمى بالتأكيد ممن يفعل الشيء ذاته بناءًا على خوفه من عقاب ما. ولهذا فإني يهيأ لي -وبناءًا على آرائك- أن المتدينين، الذين يتعاملون ويتصرفون بطريقة جيدة وصائبة خوفًا من عقاب الله، لا يتمتعون بالقدر نفسه من الأخلاق عند مقارنتهم بالملحدين الذين يقومون بالشيء ذاته بدافع من ضميرهم الانساني.

سميرة: قد يكون جانبك الصواب في ادعائك هذه المرة. ولكن ألا تتفق معي أن الخوف من العقاب ليس هو الدافع الوحيد لدى المؤمنين لفعل الصواب؟

سمير: أتفق معك في ذلك.

سميرة: ولنفترض جدلاً أني سلمت بإدعائك القائل بأن هناك من الملحدين من هم على أخلاق عالية بنفس القدر الأخلاقي الذي يتمتع به المؤمنين. ولكن من الممكن أن يكون السبب في ذلك أنهم نشأوا في بيئة كانت أو مازلت تحتفظ بتقاليد دينية قوية. وبغض النظر إذا ما كانوا يدركون ذلك أم لا، فإن نظامهم الأخلاقي مستمد بالكامل من تعاليم مجتمعهم الدينية. وإذا ما حدث وانحسر التأثير الديني في مجتمعاتهم فإن أخلاقهم مصيرها الاضمحلال ولا نهاية لهم سوى الانحلال الأخلاقي.

سمير: ملاحظة مثيرة للإهتمام. ولكنك لم تعطيني أدنى دليل على صحة افتراضك هذا. بل إني اعتقد أن افتراضك هذ لا يمكن أن يكون صحيحًا.

سميرة: كيف لك أن تعرف ذلك؟

سمير: لأن هناك الكثير من الثقافات، والتي عرف انها تمتلك نظام أخلاقي متطور، إما لم تكن لديها أي نظم دينية أو أن نظمها الدينية لم تكن مهتمة بأن تضع تعاليم للصواب والخطأ.

سميرة: هل من الممكن أن تعطيني مثال؟

سمير: بالطبع. عندك مثلاً اليونانيين القدماء، والذين لم يكونوا مثاليين على أية حال، فقد كانوا يشرعون العبودية،
مثلهم مثل نظم دينية كثيرة، ولكن نظامهم الأخلاقي كان متطورًا ومعقدًا إلى حد بعيد ويكاد يماثل أنظمتنا الأخلاقية في تطورها وتعقيدها. فكان لديهم قواعد تحرم عليهم القتل والسرقة والكذب. أثينا كانت أيامها مدينة متحضرة تغريكي بالعيش
فيها، ومع ذلك فإن دياناتهم لم تكن مهتمة بالضرورة بوضع قواعد أخلاقية بنفس الطريقة التي نعرفها. فلم نكن نرى زيوس كبير الألهة اليونانية ينزل أوامره ونواهيه في ألواح فوق جبل ويتكلم من خلال شجرة تحترق.

سميرة: مم. شيق جدًا هذا المثال.

سمير: عند اليونانين القدماء كانت الأخلاق منفصلة تمامًا عن الدين. وبهذا كان لديهم حضارة كاملة تقدمت وازدهرت بدون كود أخلاقي مستمد من الدين.

سميرة: من الممكن أن يكون ذلك صحيحًا على أية حال.

سمير: وبناءًا على هذا لا زلت غير مقتنع بأسبابك التي دعتك لأن تفكري في أرسال ابننا إلى مدرسة دينية. فادعائك بأننا غير قادرين على تطوير نظام أخلاقي بدون الدين ادعاء غير متماسك بالمرة.

من الملاحظ أن أغلب المجتمعات التي نطلق عليها صفة متحضرة تتمتع (أو كانت) بأديان تحتوي على نظم أخلاقية عالية. العديد من المفكرين يعتقدون بحتمية وجود تعاليم أخلاقية دينية حتى يمكن لهذه المجتمعات أن تطور نظمًا أخلاقية
عالية وتصل بذلك إلى تحقيق حضارة متقدمة. وهم أيضًا بذلك يفترضون أنه إذا خرج الدين من المعادلة فإن ذلك معناه انهيار أخلاقها وحضارتها في وقت واحد.

ولكن واقع وجود الدين لدى الحضارات المتقدمة والناجحة لا يؤسس بالضرورة لكون الدين مكون ضروري ولا غنى عنه لتحقيق الحضارة. فمن الملاحظ مثلاً أن كل المجتمعات المتحضرة الحديثة لديها مثلاً “حمامات سباحة”، فهل من المعقول أن نقول أنه إذا هدمنا كل حمامات السباحة لدى مجتمع من المجتمعات فإننا بذلك قد نهدم حضارته بالكامل؟ أعلم أنه مثال سخيف ولا يوجد أي رابط بين حمامات السباحة والاخلاق، ولكن ألم تلاحظ معي كما قال سمير سابقًا أن هناك من الأديان القديمة من لم تكن مهتمة بتضمين أوامر ونواهي أخلاقية ضمن تعاليمها ومع ذلك أنتجت مجتمعاتها حضارات عظيمة مثل الرومان واليونانيين؟ بل والأكثر من ذلك، ألا تلاحظ انه حتى مع اختلاف الديانات (السماوية منها وغير السماوية) يظل هناك قاسمًا مشتركًا كبيرًا فيما تدعوا إليه من قواعد أخلاقية؟ فكل الديانات تأمر متبعيها بعدم القتل أو السرقة أو الكذب وما شابه ذلك. حتى يهيأ للمرء انه بغض النظر عن الديانة فإن القواعد الأخلاقية الأساسية ستظل واحدة ولن تتغير وكأن هناك نظامًا اخلاقيًا انسانيًا سوف يتبعه البشر على أية حال حتى مع عدم وجود الدين. وإن وجد الدين فإنه من الملاحظ أن الأديان لا تغير في هذه القواعد الأساسية بل تزيد عليها بعضًا من التفاصيل التي تصبغ دين معين بخصوصية اخلاقية ما، كأن يحرم أحد الأديان أكل نوع معين من الأكلات في حين لا يحرمها دين آخر.

ومع هذا فإن دانيال مونولي الكاتب في مجلة أمريكان بروسبكتز (American Prospects) يعتقد بأن النظم الأخلاقية لدى غير المؤمنين هي نظم طفيلية استمدت جميع قيمها من مثيلاتها الدينية (يخص دانيال هنا النظم الأخلاقية المستمدة من الدينين اليهودي والمسيحي Judeo-Christian). ولكن هل من الممكن أن يكون دانيال قد فهم الأمور بالعكس تمامًا. هل من الممكن أن تكون النظم الدينية هي من تطفلت على النظم الأخلاقية الانسانية وبنت أنظمنها الأخلاقية عليها؟

ويعتقد الكثيرين أن الأديان هي السبب الرئيسي لتوصل الانسانية لنظمها الأخلاقية الحالية. وعلى هذا فإن النص الديني وحده هو القادر على إرشادنا ومدنا بالمعرفة اللازمة حتى نتمكن من التفريق بين ما هو صواب بالفعل وبين ما يبدو لنا على أنه صواب ولكنه ليس كذلك. وهذا ما تحاول سميرة أن تقوله:

سميرة: ولكن هناك مشكلة لا تزال قائمة وعلى غير المؤمنين تفسيرها، كيف وصلت الانسانية إلى هذه النظم الأخلاقية التي تقول عنها أنت أنها ليست مستمدة من أي دين؟

سمير: ما هي مشكلتك بالضبط؟

سميرة: القيم الأخلاقية متأصلة في النصوص الدينية المقدسة كالقرآن والانجيل والتوراة. فهناك سلطة للنص الديني وعرفًا قد ألفه المتدينيين. إذا أردت أن اعرف إذا كان شيئًا ما صوابًا أو خطأ فعلى الفور تمدنا هذه النصوص الدينية المقدسة بالإجابة. هناك أجد دائمًا أجابات دقيقة وثابتة، هناك مرجعيتي التي تهديني وترشدني.

سمير: كالمنار يرشد السفن أثناء العاصفة؟

سميرة: بالضبط. وعلى العكس فإن غير المتدينيين تتلاطمهم أمواج الحياة بدون أي سبيل للهداية سوى أهوائهم الشخصية. غير المتدينين غير قادرين على رؤية ضوء المنار خلال العاصفة، ليست لديهم سلطة عليا يرجعون إليها لطلب المساعدة. غير المتدينين لا يمكنهم التفرقة بين ما هو صواب بالفعل وبين ما يبدو وما يظهر على أنه صواب ولكنه ليس كذلك.

سمير: مممم

سميرة: وإذا كنت عاجزًا عن التفرقة بين المظهر الخادع والجوهر الحقيقي فكيف تدعي أنك تملك المعرفة اللازمة للتفريق بين الصواب والخطأ؟ ولهذا نحن دومًا بحاجة للدين لمعرفة القيم الأخلاقية.

مرة أخرى، نجد أنفسنا أمام رأي سائد لدى أغلب الناس. ولكن يبدو أن سمير غير مقتنع. لنسمع:

سمير: لا أرى أي سبب يجعلني اعتقد أن المتدينين ليست لديهم نفس المشاكل التي تواجه غيرهم عندما يتعلق الأمر بالتفرقة بين ما هو حقيقي وما هو مزيف.

سميرة: كيف ذلك؟

سمير: سبق لي وأن بينت لك أن الأخلاق بشكلها الأساسي لا تعتمد وغير مستمدة من النصوص الدينية. الاغريق كان لديهم قيم أخلاقية مشابهة لقيمنا الحالية ولم تكن أديانهم مهتمة اطلاقًا بوضع قواعد أخلاقية تلزم بها متبعيها. ولهذا يبدو لي أن الأنسان لديه بوصلته الداخلية التي تساعده على التفرقة بين ما هو صواب وبين ما هو خطأ، وهذه البوصلة الداخلية مستقلة تمامًا عن أية معرفة دينية لديهم. ولهذا فإن المتدينين لابد وأن يلجأوا إلى حسهم الداخلي أو كما سميتها البوصلة لتقرير ما إذا كانوا سيستمروا في اتباع الدين الذي نشأوا فيه أم لا. كما أنهم مضطرين إلى الاستعانة بحسهم الاخلاقي الداخلي عن تفسيرهم للمعنى الحقيقي لهذه النصوص الدينية.

سميرة: أخشى أني لا أفهم تمامًا ما تعنيه.

سمير: سوف أعطيكي أمثلة. في الكتاب المقدس وفي سفر اللاويين فإنه من المحرم الإقراض بفائدة ومن المحرم أكل المحار ومن المحرم ارتداء ملابس مصنوعة من خليط من الصوف والكتان. كما أن العهد القديم يقول أنه على الأغنياء التخلي عن كل ثرواتهم لصالح الفقراء. هل يلتزم كل مسيحي بهذه التعاليم؟ هل من الممكن أن نعتبر كل المسيحيين غير الملتزمين بهذه التعاليم بأن أخلاقهم فاسدة؟ وفي القرآن وفي سورة الأحزاب يأمر الله النساء بتغطية وجوههن وفي السنة يأمر الرسول الرجال بإعفاء اللحى. فهل كل مسلمة كاشفة لوجهها وكل مسلم يحلق ذقنه أصحاب أخلاق فاسدة؟

سميرة: أنا لا أعلم شيئًا عن المسيحيين، ولكن أعلم أن آية سورة الأحزاب لا تعني بالضرورة تغطية الوجه. القصد منها هو الاحتشام بصورة عامة.

سمير: أرأيتي، أنت تقومين بالانتقاء من بين التفاسير المتعددة للنص الديني. تنتقين ما يوافقك انت. أنت هنا تستخدمين ما أسميته أنا بالبوصلة الداخلية. أنت تستخدمين قدرتك الطبيعية على التفرقة بين الصواب والخطأ.

سميرة: لست متأكدة من ذلك.

سمير: عزيزتي. انه أمر واضح. المتدينيين ليست لديهم أية امتيازات خاصة بامتلاكهم نصًا دينيًا يحوي قيمًا أخلاقية. فهم في النهاية لابد لهم من الاعتماد على حسهم الداخلي عند تفسير المعنى الحقيقي لذلك النص الديني، وفي النهاية فهم من يقررون إذا كان الأمر صوابًا أو خاطئًا، تمامًا كما يفعل غير المتدينيين. أعترف بأن هناك صعوبة في تفسير الكيفية التي توصل البشر عن طريقها إلى القيم الأخلاقية الانسانية. ولكن الأديان ليست هي المصدر الأول بالتأكيد.

اعتقد أن الفرد مهيأ لقبول دين ما إذا اتفق مع اساسيات منظومته أو وجهة نظره الأخلاقية. ولاعتبارات ضرورة استمرار الحياه فإن الفرد عادة ما يتجاهل الأوامر الدينية التى لا تتسق مع مفهومه الاخلاقي أو على الأقل يقوم باعادة تفسيرها ليضمن لها هذا الاتساق.

وفي النهاية فإن هدفي لم يكن الدعوة إلى عدم تعليم صغارنا القيم الأخلاقية، على العكس فإن ذلك هو الشيء الأكثر أهمية على الإطلاق. ولم اقصد اطلاقًا أن يتم ذلك بعيدًا عن المدارس الدينية. كان هدفي بكل بساطة أن أناقش الافتراض الذي تتزايد شعبيته باستمرار والقائل بأن الأخلاق الانسانية بالكامل مستمدة من النظم الدينية. وأننا لا يمكن أن نكون مواطنيين صالحين باعتمادنا على حسنا الداخلي عندما يتعلق الأمر بتقرير ما هو صواب وما هو خطأ.

كنائس في السعودية وصكوك خزانة اسلامية في بريطانيا

هل حقًا من الممكن أن تسمح السلطات في السعودية ببناء كنائس مسيحيسة كاثوليكية داخل أراضيها؟ أنا لا اعتقد ذلك مطلقًا. أو على الأقل ليس الآن. المشكلة في السعودية ليس أن السلطة لن تسمح ببناء الكنائس في أرض الحرمين ومحج المسلمين، لا، السلطة ليبرالية بشكل كافي ويمكنها اتخاذ مثل هذا القرار ولكن تحت ظروف مختلفة قليلاً. نعم فالسعودية بحاجة إلى شعب جديد حتى تسمح ببناء كنائس على أراضيها. المشكلة في السعودية أن الناس هم المحافظون وليس النظام. المجتمع السعودي لن يرضيه بناء الكنائس على أرضه كما لم يرض ذلك المجتمع القطري بعد بناء أول كنيسة كاثوليكية في قطر. شاهدت تقرير لبي بي سي العربية على قناتها الجديدة تستطبع فيه آراء بعض القطريين يعد بناء الكنيسة. أعلن الأغلبية رفضهم لإقائمة الكنسية على أرض قطر. تفهم الدول الغربية أن حرية ممارسة الشعائر الدينية لا يزال أماما وقت لكي تصبح من القيم المقبولة في الخليج ولهذا أصدرت بعض هذه الدول اعلانًا يدعوا مواطنيها بتوخ الحذر بعض افتتاح كنيسة قطر.

لا أفهم لماذا يعارض المتشددون بناء الكنائس ودور العبادة الأخرى. على أية قيم ومثل ومبادئ تتعتبر الكنائس خطرًا في بلاد الخليج وحتى هنا في مصر في ظل اجراءات بالغة النعقيد والصعوبة؟ ولمذا تمثل الكنائس تهديدًا وما طبيعة هذا التهديد؟ حقيقة لا أعلم ولا أرى ضرورة اطلاقًا لمثل هذا التعصب. أعلم ان هناك من سيقول أن رسول الله قد أمر بأن تكون الجزيرة العربية خالية من أي مظهر من مظاهر الأديان الأخرى، بل أعلم أن هناك بعضهم سيقول بطرد كل غير المسلمين من الجزيرة العربية وتمييزهم بلباس خاص في باقي الدول الاسلامية الأخرى.

كيف لنا أن نظل نتشدق بأن ديننا دين متسامح مع الأديان الأخرى في حين أن هناك بلادًا اسلامية تمنع مقيمين أجانب من امتلاك الانجيل بصفة شخصية خوفًا من أن تتسرب تعاليم المسيحية من ذلك الانجيل بصورة سحرية وتدخل عقول الشباب وتذهب بدينهم هكذا دفعة واحدة.

church_in_riyadh.jpg

طبعًا من أنا لأقول للمسلمين ماذا عليهم أن يفعلوا، فما أنا إلا جاهل ولا أفهم شيئًا عن تعاليم ديني الاسلام وحري بي أن أترك هذا الموضوع لعلماء الأمة الأفاضل، فإنهم سيلوكونه أفضل مني بكثير. وسيقول البعض “انت تقول أن المسلمين غير متسامحين. ألا تنظر من حولك وترى كيف أن تسامح الاسلام قد جذب الغرب إلى الدخول أفواجًا فيه؟ ألا ترى كيف انهم غير متسامحين معنا في بلادهم ويهاجموننا في وسائل اعلامهم ويسخرون منا ومن رسولنا الكريم ويستهزؤون بدين الله؟” ولكن من يقول ذلك لديه سوء فهم واضح، فإن التفكير بهذه الطريقة سببها أن الشعوب العربية والاسلامية لم تعرف معنى الديمقراطية يومًا من الأيام. تعامل كل النظم الأخرى قياسًا على نظمها الديكتاتورية. فعندنا كل ما يظهر ويقال ويكتب في وسائل الاعلام العربية قد سمحت به السلطات مقدمًا أو على الأقل يتم بعلمها وتحت نظرها ولهذا لا تفهم الشعوب العربية كيف أن نظام دولة ما لا يسمح بالتحكم في وسائل اعلامها. ولكن أقول مرة أخرى… من أنا لكي أعرف…؟

والدليل على أن الاسلام قد أصبح محط أنظار الغرب واهتمامه هذا الشغف الشديد بمنتجات الصيرفة والاقتصاد الاسلامي. لقد فهم الغرب أخيرًا فساد نظمه الاقتصادية التي أسسها اليهود في الأصل لكي يصبحوا هم فقط المستفيدين بعد اغراق العالم كله في الأزمات الاقتصادية والتي سببها نظام الفائدة الربوي الجشع. لقد أصبح العديد من البنوك الغربية يقدم منتجات وحلول بنكية متوافقة مع الشريعة الاسلامية، ويمكنك أن تفتح حساب بنكي “حلال” وانت في لندن أو نيويورك. أليس هذا دليل دامغ على لهاث الغربيين ورائنا. بل أن الحكومة البريطانية -حكومة جلالة الملكة إليزابث الثانية بجلالة قدرها- قد قررت اصدار صكوك خزانة متوافقة مع الشريعة الاسلامية. وهذه أول مرة يأتي فيها اتباع نظم الاقتصاد الاسلامي من الجهاز الرسمي لدولة غربية، وبريطانيا ليست مجرد دولة غربية.

مسكين الانسان العربي المسلم وهو ينخدغ بمثل هذه أكاذيب. على الرغم من أن المنتجات البنكية المتوافقة مع الشريعى الاسلامية قد تجذب بعض الغربيين غير المسلمين لها، إلا ان كلها موجهة بالأساس إلى أموال النفط العربية. فأموال النفط العربية عزيزي أموال مسلمة لا تقبل بأن توضع داخل أوعية ادخار أو استثمارات تعمل بالفائدة الربوية، لأن هذا “حــرام”. ولذلك يحجم الكثير من العرب والمسلمين على الاستثمار بأمواله المسلمة في بلاد الغرب الكافرة. حتى أن هناك حكومة دولة اسلامية قد رفضت مرات عديدة فوائد مستحقة على ودائعها في الغرب والتي وصلت تلك الفوائد وحدها إلى مليارات الدولارات (طبعًا لما كان الدولار له هيبته). ولهذا يلجأ الغرب الكافر إلى هذه الحيلة والخدعة الشيطانية لكي يجذب إليه الأموال العربية النفطية بعد أن كثرت تلك الأموال في أيادي العرب وأصبحوا غير قادرين على استثمار كل هذه الأموال داخل بلادهم.

المعيار الحقيقي لنجاح منظومة الاقتصاد الاسلامي -والذي تمت اختراعها اختراعًا في القرن الماضي- هو أن ينضب النفط وتقل رؤوس الأموال العربية. عندها اذا استمر العالم الغربي في قبول هذه النظم يصبح عندها النظام المصرفي والاقتصادي الاسلامي ناجحًا ويمكن أن نفخر به بالتأكيد. ولكن مع استمرار وجود رؤوس أموال ضخمة في المنطقة العربية النفطية وقلة فرص استثمارها عربيًا، سيصبح توفير المنتج المصرفي الاسلامي لدى بعض المصارف الغربية مجرد وسيلة لجذب تلك الأموال.