فداءً للحجاب

أزعجني بشدة مقتل مروة الشربيني زوجة المبتعث المصري في ألمانيا. وما أزعجني أكثر هو الدافع وراء ارتكاب الجاني لجريمته تلك. أمقت العنصرية والقومية والوطنية والعشائرية والطائفية وكل أنواع التحزب والتجمعات البشرية على أسس عرقية أو وطنية أو دينية. فبقدر استعداد بعض أعضاء هذه الجماعات بأن يضحوا بأرواحهم في سبيل دينهم أو بداعي وطنيتهم أو عنصريتهم، فإن لديهم نفس القدرة على ارتكاب الحماقات بإسمها أيضًا.

هناك أشياء أخرى أزعجتني في ذات الموضوع وأحب أن أتوقف عندها قليلا.

ألم نبالغ قليلاً في ردة الفعل؟ مسيرات ونداءات وشعارات كبيرة واسعة فضفاضة أكبر بكثير من مقاسنا. هذه السيدة قتلت على يد مجرم من جماعة معروف عنهم كرههم الشديد لكل ما هو أجنبي وخصوصًا إذا كان هذا الأجنبي من الشرق الأوسط. موضوع كراهية العرب ليس بجديد، اعتقد أن لدينا شعور عارم بالاضطهاد. وهذا الاضطهاد نعاني منه داخليًا قبل معاناتنا منه في الخارج.

ثم ما هذا اللقب الذي أطلقوه على الضحية؟ “شهيدة الحجاب”؟ هذه السيدة تم الغدر بها وسط المحكمة وهي تطالب بحقها القانوني بعدم تعرض ذلك المجرم لها ولأسرتها. لم تكن تدافع عن حقها في ارتداء الحجاب، ولم تمنعها السلطات الألمانية من ذلك. هذه السيدة لم تمت في سبيل قطعة من القماش، هذه السيدة فقدت حياتها ثمنًا لمطالبتها بتحقيق العدالة. الموضوع ليس له علاقة بحق السيدة في ممارسة شعيرة من شعائر الدين حتى نخترع هذا اللقب السخيف.

من قال أن المصريين شعب “مرخي”؟

من النادر أن تسأل سؤال كهذا وتأتيك الإجابة بهذه السرعة بل وبالتطبيق العملي أيضًا. كتبت منذ أكثر من أسبوعين مقتبسًا أحد التعليقات على أخبار مصراوي ووضعت عنوانًا: “هل المصريون شعب “مرخي”؟” كنوع من التعجب والاعتراض على أحوال المصريين واستكانتهم وسكوتهم على الأوضاع المزرية التي يعيشونها. وصلت نسبة التضخم وحسب تقارير رسمية إلى 15.8% بينما يطالب العمال بحد أدنى للأجور لا يقترب حتى من الحد الأدني من الكرامة البشرية. وبدأت أسأل نفسي عن ما الذي يفعله بالضبط النظام الحاكم في مصر؟ معلوماتي أنه ليس بهذا الغباء حتى يترك الأمور لتصل إلى هذا الحد من الانفلات. بل ماذا يريدون؟ هل يريدون مصر بلا شعب؟ أي حاكم وأي شخص يجلس متربعًا على كرسي السلطة لن يشعر بسلطته إلا بوجود شعب يستمد منه شعوره بالتحكم والعلو. ولكن حتى يستمر هذا الوضع -وضع المحكوم ووضع الحاكم المتسلط- لابد من ضمان الحد الأدنى الذي يجعل الحياة تستمر. ولكن لماذا الاستغباء؟

أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب هو أن يفقد الأمل في الحياة تمامًا. أخطر ما يحدث أن يصبح الإنسان بدون أي شيء ليخسره أو يبكي عليه. عندها لا يهتم أحد لعائلته أو دكانه أو حتى أطفاله الرضع، فهو بات يعرف جيدًا أنها خربانة خربانه وأن الحياة أصبحت لم تعني شيئًا ولا تستحق ان يعيشها الانسان على أية حال. وعندما نصل إلى هذا الحد جميعًا تنفجر حلة الضغط الكبيرة التي نعيش بداخلها، وحينها ستتناثر قطع اللحم مع الخضار ويغرق النظام في شوربة كبيرة لن ينفع معها غسل حيطان المطبغ ولكن لا بد من عملية اعادة كاملة لطلاء الجدران من الممكن أن تكلف كثيرًا.

لقد راهن مبارك كثيرًا على استقرار الأوضاع في مصر وكرر كثيرًا أن الاستقرار هو الباعث على التنمية والتقدم والازدهار. والغريب انه كان هناك بالفعل استقرارًا للأوضاع يشبه إلى حد كبير السكون، سكون المقابر الذي تراه مباشرة بعد مغادرة زائرو المقابر عند الغروب من يوم الخميس. هذا الرهان على الاستقرار أصبح الآن رهانًا خاسرًا. مصر الآن ليست مستقرة ولا ساكنة. الناس بدأت بالشعور بأن المزيد من السكون معناه الموت فلا ضير إذن من الانتحار فعلى الأقل يمكن للمرئ أن يختار طريقة الموت المفضلة.

ولكن دعونا نعود إلى سؤالنا: “من قال أن المصريون شعب “مرخي”؟” هل رأيتم ما حدث في المحلة؟

حقنـًا للدماء… مبارك يتنازل عن حكم مصر في خطوة أولية لعودة الخلافة الاسلامية

نظرًا للاحتقان الكبير في الشارع المصري بعد أن خرجت الأمور عن سيطرة القيادات السياسية في كل من مصر وغزة والضفة الغربية وبعد أن عم الغضب الشارع المصري إثر احكام الحصار على غزة وتسبب ذلك في حدوث كارثة انسانية في القطاع، وبعد المظاهرات المليونية التي شلت جميع نواح الحياة في انحاء مصر ونظرًا ما اسفرت عنه المواجهات العنيفة بين المتظاهرين وأجهزة الأمن المصرية من آلاف الشهداء والجرحى، وفي قرار غير مسبوق من حاكم عربي كثيرًا ما تحلى بالبصر وأحيانًا كثيرة بالتطنيش في مواجهة الأزمات، قرر حسني مبارك رئيس جمهورية مصر العربية وقف العمل بالدستور وحل مجلسي الشعب والشوري قبل أن يتنحى نهائيًا عن منصبه مسلمًا قيادة البلاد لفضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين السيد محمد مهدي عاكف. إقرأ المزيد

رفع الحرج عن عفاف فيما بين الشعوب من اختلاف

ثم قالت لي فجأة: لماذا الناس هنا مهذبون؟ لماذا تقف لنا العربات لنعبر الطريق حتى من غير مكان عبور المشاة؟ لماذا الناس غير عابسين؟. قلت لها: انما هي الشمس عزيزتي، فالانجليز لا يرون الشمس ساطعة في السماء إلا أيامًا قليلة في السنة وصادف ان جاءت زيارتنا لعاصمة الضباب خلال تلك الأيام. وخلاف ذلك فالشعب الانجليزي كئيب وبلا مشاعر ولا يمكن أن تقرري إذا كانوا سعداء أم تعساء. فهم كمدينتهم أثناء الضباب تصبح مشاعرهم وملامحم ثنائية الأبعاد مسطحة وبدون عمق. قلت لها ذلك وعلى وجهي علامات البلاهة وفي صوتي نبرة تعرفها عفاف جيدًا عندما لا أريد أن آخذ موضوعًا ما بشكل جدي.

بالطبع لم تصدقني واستمرت في عجبها تحاول جاهدة أن تضع بعض التفاسير لهذا الجو العام من الهدوء والمعاملة الحسنة بين الناس حتى في أشد الأوقات زحامًا في مترو لندن. مترو لندن أقدم نظام مترو للأنفاق في العالم تم تشغيله في 1863 كما أنه الأكبر حجمًا من حيث طول سككه الحديدية وعدد مستخدميه. بلغ عدد ركابه العام المنصرم أكثر من بليون مسافر. أي والله بليون وبلغة آخرى مليار. استخدمنا مترو لندن كثيرًا أثناء مدة اقامتنا الصغيرة وأثناء أوقات متعددة من اليوم وخلال أيام الأسبوع وأوقات الذروة. لم يدفعنا أحد حتى يستقل عربة المترو قبلنا على الرغم من الزحام. يفتح باب عربة المترو، فينتظر من هم على الرصيف حتى ينزل الناس أولاً ثم يصعدون بعد ذلك. لم أجد شرطي واحد على الرصيف على الرغم من احداث الارهاب التي استهدفت المترو في عام 2005. فقط تخيل معي لو أنه قد تم تفجير محطة سانت تريزا في شبرا من قبل بعض المتعصبين لكان الأمن احتل نصف الأماكن المخصصة للركاب في جميع وسائل المواصلات في القاهرة إلى الأبد.

توقعت ونحن أصحاب الملامح العربية وعفاف ذات الحجاب الاسلامي أن يتم على الأقل النظر إلينا باستغراب أو ببعض الضيق من قبل الركاب الآخرين. لم يحدث هذ، بل على العكس لم نجد منهم من يتفحص الآخرين كما يحدث في مترو قاهرتنا العزيزة. فالكل مشغول بنفسه غاضض بنظره عن الآخرين غير مقتحم لخصوصيتهم. أما عندنا فيمكنك أن تجد الجالس بقربك يشاركك الجريدة وكما يمكنك أن تجد العديد من الشبان وقد اكتشفوا رجولتهم فجأة في عربة المترو فراحوا يوزعونها نظرات رخيصة وحركات سافلة جاعلين الرحلة اليومية إلى العمل أو المدرسة أو الجامعة كابوسًا صباحيًا ومسائيًا على خلق الله. إقرأ المزيد