ولا عزاء

الناس إللي بتعزي وتواسي المسيحيين المصريين يا ريت ينقطونا بسكاتهم… إللي ماتوا مصريين زيي وزيك. والأنكت المسلمين إللي بيلموا بعض ويروحو يعزوا في الكنائس. دة بأة بالظبط زي ما تروح كدة سعادتك تعزي في عمك الله يرحمه.
Advertisements

الخطة ب

مالذي قد يدفع بي إلى الاعتقاد أن الأحوال في مصر ستتحسن. وأعني بالأحوال مجمل ما يحدث في البلد من حراك سياسي وتفاعل اجتماعي وظروف اقتصادية ووضع أمني، أعني كل شيء وأي شيء. ما الذي يحثني على التفكير في العودة والاستقرار فيها بشكل نهائي. عمومًا أنا مازلت مصريًا مغتربًا اغتراب اقتصادي  في الامارات منذ 11 عامًا تقريبًا. لا ينقضي يوم إلا وأكون قد طالعت فيه أخبار مصر في كل وسائل الاعلام مقروؤة ومسموعة حتى اني استجوب كل من يكون عائدًا من القاهرة وأطلب منه تفصيلات أحيانًا أنا نفسي أعجب من قدرتي اللامتناهية على السؤال عن أدق التفاصيل.

عندما سافرت عن مصر في أواخر التسعينيات كنت حينها أترك ورائي بلدًا اعتقدته رائدًا في محيطه كما كنت أتصور أني خارج من بلدي لأسهم في تطور بلد آخر شقيق وأطور من إمكانياته إلى آخر تلك الخزعبلات الرخيصة. كنت أتمتع بالعديد من الاصدقاء والمعارف من محيط العمل وكنت اعتقد اننا متفقون فكريًا وعقائديًا على كل شيء تقريبًا. كان ذلك اعتقادي بينما لم تكن نقاشاتنا تتعدي الجدال حول طلب العشاء من رضوان في الدقي أو من محل البيتزا البلدي على مزلقان ناهيا، وأحيانًا يدور النقاش حول أفضل نكهات المعسل مع أني كنت غير مدخنًا بالمرة. عدا الكثير من التفاهات الأخرى. أعتقد اننا كنا صبيانيين بدرجة كبيرة ولم تتعد اهتماماتنا النواحي الشخصية ولا أذكر ان أحدًا منا كانت له ميولاً سياسية أو آراءًا محددة تجاه قضايا مصر في تلك الفترة.

ومع ذلك يمكنني القول أنه كانت لدينا نفس القاعدة العريضة من أشباه المسلمات العقائدية والفكرية. كنا نعتقد بشكل كبير في ريادة مصر، كنا نعتقد بشكل كبير بأننا بلد عظيم ذو حضارة عميقة في التاريخ ولهذا فنحن لنا حضور كبير في وبروز أكبر بين دول العالم. لم تكن أحداث 11 سبتمر قد حدثت بعد ولكننا كنا جميعًا ما نرفض ما يقوله الغرب عن الاسلام في تلك الفترة، وكنا نعتقد ان أية ممارسة خاطئة من عدد محدود من المسلمين فإنما هم لا يمثلون إلا انفسهم ولا ينبغي استخدام تلك الأفعال للحكم بها على جميع المسلمين وعقيدتهم. كنا نعتقد أن الغرب بعد انتهاء الحرب الباردة بينه وبين الشيوعية وخروجه منتصرًا يبحث عن عدو جديد، ووجد في الاسلام ضالته. ولهذا كان يستخدم أفعال “الجهلة والمتشددين” لشن الهجوم على الاسلام والمسلمين جميعًا. كنا نعتقد جميعًا أن هناك مسلمين معتدلين وآخرون متشددون، وأن مسئولية أية أحداث عنف أو عمليات ارهابية يعلن منفذوها أنهم بذلك يطبقون حكم الله أو شرعه انما تقع على هؤلاء المتشددون الذين يفسرون النصوص الدينة بصورة غير واقعية.

وبما أن مصر -على الأقل حتى الآن- لديها نسيج ديمغرافي شبه متجانس (أو على الأقل هذا ما كنت اعتقده) ، لم تكن لدينا خبرات أو احتكاكات مع ثقافات أخرى. وكنا نطلق الأحكام على جميع البشر بناءًا على خبراتنا المحلية التي لم تتعد حدود القاهرة وحتى في بعض الأحيان لا تتعدى حدود بعض الأحياء فيها. فالنسبة لنا وقتها كان خير أهل مصر من يقطنون قاهرتها أو اسكندريتها وبقية الناس في باقي المدن والأقاليم هم إما فلاحوون أو صعايدة. فكرتنا عن تقاليديهم هشة وفكرتنا عن السواحلية والبدو لا تتعدى السمسمية ومحمود عبد العزيز في فيلم اعدام ميت. تعلمنا بطريقة أو بأخرى ان مصر بالفعل هي أم الدنيا كنت فيها الحضارة ولا تزال وهي بالتأكيد ستظل مصدر اشعاع لكل الدول المحيطة.

عندما أفكر في زمن تلك الأيام، منذ 15 عامًا تقريبًا، لا يمكن أن أقبل أن يتهمني أحد بالعنصرية أو التشدد لمجرد أنني أؤمن بتطبيق الشريعة أو بعدم السماح لمصري مسيحي بأن يكون رئيس الجمهورية أو بتقييد بناء الكنائس. كنت اعتقد أنه طالما كان الأمر متسقًا مع أحكام الاسلام فلا يمكن أن يكون عنصريًا أو متشددًا. كنت أعشق الشيخ الشعراوي وأصف الشيخ القرضاوي بالتساهل وبأنه ممن يميعون الدين. وكنت لا آخذ بتعاليم شيوخ السعودية من أمثال الشيخ بن باز أو العثيمين، كانوا في نظري أمثلة ليست جيدة على تسامح الاسلام مع أصحاب العقائد الأخرى. والحقيقية فإن ذلك يرجع إلى أني عشت فترة بسيطة من مراهقتي في السعودية ولم تروقني الحياة هناك وأوعز ذلك إلى التشدد الديني والتدخل في الحياة الخاصة للأفراد. يعني كنت كعامة المصريين أو على كمن هم في محيطي. لم يكن يشغلني كثيرًا موضوع حقوق الانسان أو حقوق غير المسلمين أو معنى الاختلاف أصلاً لأني طيلة حياتي لا أرى أناس يختلفون عني وعن من هم حولي. كنت أرد على ممن ينتقد دعوة البعض إلى تطبيق الشريعة وبالذات موضوع الحدود بأن ذلك صيانة للمجتمع ولماذا الاعتراض طالما انت لا تريد أن تسرق أو تقتل أو تزني. لماذا الاعتراض طالما لا تريد أن تكون خارجًا على القانون. إلا إذا كنت ممن يريدون أن يشيع الفسق والفجور في المجتمع.

كان تفكيري أحادي الجانب، حيث كنت أقول في نفسي انني مسلم ومؤمن بأن الاسلام هو دين الله وكل ما عاداه على خطأ مطلق والاسلام دين الحق على الاطلاق. ولم تعنيني كثيرًا مسألة أن الدولة الدينية برد وسلام على أصحاب دين الأغلبية ونارًا وجهنم على أصحاب المعتقدات الأخرى. فليذهبوا إلى بلد آخر إن لم تروق لهم الأوضاع في مصر بلد الأزهر، يمكن للمسيحيين (ولم أكن أرى غيرهم وقتها) أن يهاجروا إلى أمريكا أو أوروبا وهم يفعلون بكثرة. هذه بلاد مسيحية وهم مسيحيون فليذهبوا هناك ويأخذوا كنائسهم معهم. كان لدي حقيقتي المطلقة وطريق الصواب الذي لا ينبغي أن يختلف على اثنان لأنه بكل بساطة طريق الله، وضعه لنا الخالق لنمشي عليه وهو أعلم بعباده وفوق كل ذي علم عليم. ولهذا كان لابد وأن تكون الغلبة والقوامة للمسلمين وشريعتهم على بقية الناس ومعتقداتهم. وبما أن للمسلمين الأغلبية في مصر فالحكم للأغلبية إذن. أليس هذا هو المنطق والعقل. هكذا اعتقدت.

ولكن الموضوع يتغير تمامًَا بعد أن يترك الفرد كل هذا وراءه ليبدأ ليرى الحياة بعيون جديدة. عيون عالمية وليست محلية أو اقليمية. عيون تصبح لديها القدرة أن تعلم أنه ،مهما كلف الأمر، سيظل البشر مختلفون في معتقداتهم كما هم مختلفون في عاداتهم وتقاليدهم. وعلى الرغم من تذمر الرأي العام الوطني الإماراتي المتواصل من العمالة الأجنبية والخلل في التركيبة السكانية، كان لذلك التنوع البشري أكثر الأثر في أن أرى مدى الاختلاف الذي عليه بنو أبينا آدم واتعلم على أرض الواقع بأن الناس مختلفون بعيدًا عن مجرد قبول تلك الفكرة في إطار محلي داخل مصر وعلى خلفية أن الاسلام يصلح لكل مكان وزمان وأنه يكفل حرية العقيدة للجميع. وعلى الرغم من هذا التأثر بالتنوع البشري في الإمارات، كانت زياراتي القليلة لبعض مدن أوروبا وأمريكا بمثابة فاتحًا للعيون على حقيقة مهمة للغاية. لم أرى ذلك الغرب المتعفن الساقط في الملذات الغارق في مشاكله الاجتماعية والتي انهارت فيه الأسرة وأصبح الناس كالبهائم. لم أرى عريًا ولا انحلالاً، ولكني رأيت شعوبًا عاملة راقية تعبت وجهدت حتى استحقت ما هم فيه من رقي. نحن نفتري عليهم فقط لأننا نعاني من مشاكل جمة في الفهم والمنطق. نحن يا سادة نعاني من عنصرية بغيضة في دولنا العربية ومصر بالذات. بل أن الكراهية العلنية والتخوين أصبح شيئًا عاديًا تراه على التليفزيون.

خلاصة القول أن الكثير من المصريين قد تعلموا ذلك على يد النظام نفسه الذي تعود أن يمارس العنصرية على أفراد الشعب مستخدمًا الدين والعرق والمكانة الاجتماعية والنفوذ المادي والسلطوي، ثم انحدرت الكثير من القيم مثل العمل والثقافة والتعليم والفن وأصبح الجميع مشغولون بهمومهم اليومية في مشهد يتصارع فيه الجميع من أجل المال والسلطة بجميع أشكالها ومراتبها. انحدرت كل القيم وانزلق الجميع إلى ممارسات أقل ما توصف انها غير أخلاقية. استخف البعض بقيمة الحياة فغرق المصريون في البحرين الأبيض والمتوسط بالآلاف في العبارات وعلى مراكب الهجرة. ضاعت قيمة العلم والعمل فانتحر طالب في ريعان شبابه درس وجهد وعندما راح يحقق حلمة في أن يصبح ممثلاً لبدله بين الأمم أخبروه بأنه غير لائقٍ اجتماعيًا لأن أبيه موظف بسيط. ضاعت قيمة الأيمان فأصبح المسلمون والمسيحيون يتنافسون على الأسلمة والتنصيروكأن الدين بالعدد كالليمون. ضباط الداخلية الذين يفترض فيهم الحفاظ على الأمن أصبحوا هم مثار خوف المصريين على حياتهم وكرامتهم بعد أن اصبحت أسلحتهم قراطيس ورق وعصي في مؤخرات المواطنين، فاستبدلوا قيمة الأمان بالهلع والخوف والمشي جنب الحيط. وأخيرًا ضاعت كل قيم الرحمة والتسامح عندما تجمعت قرية بالكامل، ولم يكن فيهم عاقل واحد فهاجموا وروعوا جيرانهم ثم حرقوا بيوتهم لا لشيء إلا لأنهم يعبدون الله بطريقة مختلفة عنهم. لم يرتكبوا ذنبًا ولم يؤذوا أحدًا. لم يسرقوا ولم يقتلوا ولم يغتصبوا ولم يرتكبوا جرمًا واحدًا يستحقون على أثرة أن تنزع الرحمة عن قلوب جيرانهم. والأدهى أن يبارك ذلك العمل المجرم غير قليل من المصريين وتغض الدولة الطرف عن كل هذا. وفي نفس الوقت توصي لجنة برلمانية رسمية تفيذ أحكام الإعدم علنًا حتى تكتمل أركان المجتمع المهووس بالعنف والقتل والحرق والشنق.

هل هذه بلدي؟ هذه ليست بلدي… أرجعوا لي بلدي الذي كان للناس منارة  فأصبح الآن خرابة. لا أريد لأطفالي ولا لأطفال أحد ممن أحبهم أن يعيش في مجتمع كهذا تنحصرالأخلاق والشرف فيه على أعضائك التناسلية. ولهذا كانت الخطة ب التي تقتضي بأن لا أترك سعاد ولكن الركب حتمًا مرتحلاً.

جدل عقيم .. الحلقة الثانية

في أغسطس من العام الماضي اخترت أن اترجم فصلاً من أحد كتب الفلسفة الشيقة التي قرأتها. الفصل يتناول أصل القيم الأخلاقية ويتسائل: إذا لم يكن هناك أديان فهل كان بمقدور الإنسان أن يطور نظمًا أخلاقية؟ عندما بدأت بترجمة ذلك الفصل أصابني التعب وقررت أن اقوم بإنجازه على حلقتين ونشرت الحلقة الأولى وكان في نيتي ترجمة بقية الفصل بعد ذلك بأيام. ولكني كسول، وها أنا بعد ذلك العدد غير اليسير من الشهور أقوم بنشر جزء آخر لا أعلم -الآن وقت كتابة هذه السطور- إن كنت سأصل إلى نهاية الفصل. وأنا أفعل ذلك أدعوا المعلق الوحيد على الجزء الأول (أحمد نصر) أن يأتي ليكمل القراءة. يمكنك قراءة الجزء الأول هنا (جدل عقيم – رقم واحد)

سميرة: لا عزيزي، سبق وأن بينت لك أن ما أفعله ليس له علاقة بأي التزام أخلاقي تجاهك. ولكننا عزيزي بدون الرب لا يوجد لدينا أي دافع لنكون أخلاقيين، أليس كذلك؟ بدون وجود الرب ما الذي يدفعنا أصلاً إلى أن نفعل الصواب ونتجنب فعل الخطأ؟

سمير: لماذا تظنين ذلك؟

سميرة: لأن السبب في ذلك هو خوفنا من عدم رضا الرب عنا وأنه سيعاقبنا إذا لم نطع أوامره، هذا هو الذي يبقينا على السراط القويم. لأنه بدون وجود هذا العقاب الإلهي لا يوجد أيضًا أي سبب يجعلنا نتصرف بحكمة. ولهذا عزيزي لابد لعادل أن يلتحق بمدرسة دينية.

يتفق الكثير من الناس مع مدام سميرة في أنه بدون وازع ديني قوي فإنه من المرجح أن تنهار القيم الأخلاقية لدى الناس. يقول فولتير (1694-177) على سبيل المثال، وهو الفيلسوف المشهور والذي كان يمنع أصدقائه من مناقشة المواضيع اللادينية أمام أهل البيت من خدم وغيرهم: “أفضل أن يكون كل من يعمل لدي، المحامي والخياط، والخادم، والسائق، بل حتى زوجتي، أفضلهم جميعًأ مؤمنين بالله. بهذه الطريقة سوف لن يخدعونني ولن يسرقونني كثيرًا”

ولكن هل صحيح إن لم نكن نؤمن بالله فسوف تنهار أخلاقنا؟ أصبحنا نرى العديد من حولنا لا يؤمنون بالله ويصرحون علانية بأنهم ملحدون، ولكننا في ذات الوقت نراهم يقولون عن أنفسهم أن لديهم نظامهم الأخلاقي والمستمد من غير ذات القيم الدينية التي نستمد منها نحن نظامنا الأخلاقي. بل أن الكثيرين من العلماء الذين يجلهم العالم والذين قدموا خدمات جليلة للبشرية كان معروف عنهم أنهم ملحدون ولم يتهمهم أحدًا بالانحطاط الأخلاقي. ولهذا السبب نفسه نرى الأستاذ سمير يقول أنه من الصعب الادعاء بأن المؤمنين بالله يتمتعون بأخلاق أسمى وأنبل من أخلاق غيرهم من غير المؤمنين.

سمير: لا أستطيع أن أنكر أن هناك الكثير من المؤمنين النبلاء والذي أثروا الحياة الانسانية بإسهاماتهم الجليلة. ولكن في نفس الوقت يوجد الكثير من المؤمنين الجشعين الحقيرين والذين عاثوا بالأرض فسادًا. بل أكثر من ذلك، فإنه توجد أمثلة الكثير من الأعمال اللاأخلاقية والتي تمت ممارستها باسم الرب نفسه. فما الحملات الصليبية ومحاكم التفتيش وتفجير برجي مركز التجارة العالمي إلا أمثلة بسيطة على ذلك. وفي الحقيقة فإنه يبدو لي أنه في بعض الأحيان فإن الإعتقاد الديني قد يروج للأعمال اللاأخلاقية بنفس القدر الذي يدعو به إلى مكارم الأخلاق.

سميرة: أتفق معك في جملتك الأخيرة، فقط لأني أعتقد أن كل الأديان الأخرى غير صحيحة.

ولكن سمير يستمر في جداله ويشير إلى أن الناس الذين يفعلون الصواب بناءًا على خوفهم من العقاب الإلهي لا يمكن أن نعتبرهم خلوقين:

سمير: عزيزتي، إن من يفعل الصواب ويأتي بالأعمال الخيرة من واقع احترامه واهتمامه بآدمية الآخرين لعلى خلق أسمى بالتأكيد ممن يفعل الشيء ذاته بناءًا على خوفه من عقاب ما. ولهذا فإني يهيأ لي -وبناءًا على آرائك- أن المتدينين، الذين يتعاملون ويتصرفون بطريقة جيدة وصائبة خوفًا من عقاب الله، لا يتمتعون بالقدر نفسه من الأخلاق عند مقارنتهم بالملحدين الذين يقومون بالشيء ذاته بدافع من ضميرهم الانساني.

سميرة: قد يكون جانبك الصواب في ادعائك هذه المرة. ولكن ألا تتفق معي أن الخوف من العقاب ليس هو الدافع الوحيد لدى المؤمنين لفعل الصواب؟

سمير: أتفق معك في ذلك.

سميرة: ولنفترض جدلاً أني سلمت بإدعائك القائل بأن هناك من الملحدين من هم على أخلاق عالية بنفس القدر الأخلاقي الذي يتمتع به المؤمنين. ولكن من الممكن أن يكون السبب في ذلك أنهم نشأوا في بيئة كانت أو مازلت تحتفظ بتقاليد دينية قوية. وبغض النظر إذا ما كانوا يدركون ذلك أم لا، فإن نظامهم الأخلاقي مستمد بالكامل من تعاليم مجتمعهم الدينية. وإذا ما حدث وانحسر التأثير الديني في مجتمعاتهم فإن أخلاقهم مصيرها الاضمحلال ولا نهاية لهم سوى الانحلال الأخلاقي.

سمير: ملاحظة مثيرة للإهتمام. ولكنك لم تعطيني أدنى دليل على صحة افتراضك هذا. بل إني اعتقد أن افتراضك هذ لا يمكن أن يكون صحيحًا.

سميرة: كيف لك أن تعرف ذلك؟

سمير: لأن هناك الكثير من الثقافات، والتي عرف انها تمتلك نظام أخلاقي متطور، إما لم تكن لديها أي نظم دينية أو أن نظمها الدينية لم تكن مهتمة بأن تضع تعاليم للصواب والخطأ.

سميرة: هل من الممكن أن تعطيني مثال؟

سمير: بالطبع. عندك مثلاً اليونانيين القدماء، والذين لم يكونوا مثاليين على أية حال، فقد كانوا يشرعون العبودية،
مثلهم مثل نظم دينية كثيرة، ولكن نظامهم الأخلاقي كان متطورًا ومعقدًا إلى حد بعيد ويكاد يماثل أنظمتنا الأخلاقية في تطورها وتعقيدها. فكان لديهم قواعد تحرم عليهم القتل والسرقة والكذب. أثينا كانت أيامها مدينة متحضرة تغريكي بالعيش
فيها، ومع ذلك فإن دياناتهم لم تكن مهتمة بالضرورة بوضع قواعد أخلاقية بنفس الطريقة التي نعرفها. فلم نكن نرى زيوس كبير الألهة اليونانية ينزل أوامره ونواهيه في ألواح فوق جبل ويتكلم من خلال شجرة تحترق.

سميرة: مم. شيق جدًا هذا المثال.

سمير: عند اليونانين القدماء كانت الأخلاق منفصلة تمامًا عن الدين. وبهذا كان لديهم حضارة كاملة تقدمت وازدهرت بدون كود أخلاقي مستمد من الدين.

سميرة: من الممكن أن يكون ذلك صحيحًا على أية حال.

سمير: وبناءًا على هذا لا زلت غير مقتنع بأسبابك التي دعتك لأن تفكري في أرسال ابننا إلى مدرسة دينية. فادعائك بأننا غير قادرين على تطوير نظام أخلاقي بدون الدين ادعاء غير متماسك بالمرة.

من الملاحظ أن أغلب المجتمعات التي نطلق عليها صفة متحضرة تتمتع (أو كانت) بأديان تحتوي على نظم أخلاقية عالية. العديد من المفكرين يعتقدون بحتمية وجود تعاليم أخلاقية دينية حتى يمكن لهذه المجتمعات أن تطور نظمًا أخلاقية
عالية وتصل بذلك إلى تحقيق حضارة متقدمة. وهم أيضًا بذلك يفترضون أنه إذا خرج الدين من المعادلة فإن ذلك معناه انهيار أخلاقها وحضارتها في وقت واحد.

ولكن واقع وجود الدين لدى الحضارات المتقدمة والناجحة لا يؤسس بالضرورة لكون الدين مكون ضروري ولا غنى عنه لتحقيق الحضارة. فمن الملاحظ مثلاً أن كل المجتمعات المتحضرة الحديثة لديها مثلاً “حمامات سباحة”، فهل من المعقول أن نقول أنه إذا هدمنا كل حمامات السباحة لدى مجتمع من المجتمعات فإننا بذلك قد نهدم حضارته بالكامل؟ أعلم أنه مثال سخيف ولا يوجد أي رابط بين حمامات السباحة والاخلاق، ولكن ألم تلاحظ معي كما قال سمير سابقًا أن هناك من الأديان القديمة من لم تكن مهتمة بتضمين أوامر ونواهي أخلاقية ضمن تعاليمها ومع ذلك أنتجت مجتمعاتها حضارات عظيمة مثل الرومان واليونانيين؟ بل والأكثر من ذلك، ألا تلاحظ انه حتى مع اختلاف الديانات (السماوية منها وغير السماوية) يظل هناك قاسمًا مشتركًا كبيرًا فيما تدعوا إليه من قواعد أخلاقية؟ فكل الديانات تأمر متبعيها بعدم القتل أو السرقة أو الكذب وما شابه ذلك. حتى يهيأ للمرء انه بغض النظر عن الديانة فإن القواعد الأخلاقية الأساسية ستظل واحدة ولن تتغير وكأن هناك نظامًا اخلاقيًا انسانيًا سوف يتبعه البشر على أية حال حتى مع عدم وجود الدين. وإن وجد الدين فإنه من الملاحظ أن الأديان لا تغير في هذه القواعد الأساسية بل تزيد عليها بعضًا من التفاصيل التي تصبغ دين معين بخصوصية اخلاقية ما، كأن يحرم أحد الأديان أكل نوع معين من الأكلات في حين لا يحرمها دين آخر.

ومع هذا فإن دانيال مونولي الكاتب في مجلة أمريكان بروسبكتز (American Prospects) يعتقد بأن النظم الأخلاقية لدى غير المؤمنين هي نظم طفيلية استمدت جميع قيمها من مثيلاتها الدينية (يخص دانيال هنا النظم الأخلاقية المستمدة من الدينين اليهودي والمسيحي Judeo-Christian). ولكن هل من الممكن أن يكون دانيال قد فهم الأمور بالعكس تمامًا. هل من الممكن أن تكون النظم الدينية هي من تطفلت على النظم الأخلاقية الانسانية وبنت أنظمنها الأخلاقية عليها؟

ويعتقد الكثيرين أن الأديان هي السبب الرئيسي لتوصل الانسانية لنظمها الأخلاقية الحالية. وعلى هذا فإن النص الديني وحده هو القادر على إرشادنا ومدنا بالمعرفة اللازمة حتى نتمكن من التفريق بين ما هو صواب بالفعل وبين ما يبدو لنا على أنه صواب ولكنه ليس كذلك. وهذا ما تحاول سميرة أن تقوله:

سميرة: ولكن هناك مشكلة لا تزال قائمة وعلى غير المؤمنين تفسيرها، كيف وصلت الانسانية إلى هذه النظم الأخلاقية التي تقول عنها أنت أنها ليست مستمدة من أي دين؟

سمير: ما هي مشكلتك بالضبط؟

سميرة: القيم الأخلاقية متأصلة في النصوص الدينية المقدسة كالقرآن والانجيل والتوراة. فهناك سلطة للنص الديني وعرفًا قد ألفه المتدينيين. إذا أردت أن اعرف إذا كان شيئًا ما صوابًا أو خطأ فعلى الفور تمدنا هذه النصوص الدينية المقدسة بالإجابة. هناك أجد دائمًا أجابات دقيقة وثابتة، هناك مرجعيتي التي تهديني وترشدني.

سمير: كالمنار يرشد السفن أثناء العاصفة؟

سميرة: بالضبط. وعلى العكس فإن غير المتدينيين تتلاطمهم أمواج الحياة بدون أي سبيل للهداية سوى أهوائهم الشخصية. غير المتدينين غير قادرين على رؤية ضوء المنار خلال العاصفة، ليست لديهم سلطة عليا يرجعون إليها لطلب المساعدة. غير المتدينين لا يمكنهم التفرقة بين ما هو صواب بالفعل وبين ما يبدو وما يظهر على أنه صواب ولكنه ليس كذلك.

سمير: مممم

سميرة: وإذا كنت عاجزًا عن التفرقة بين المظهر الخادع والجوهر الحقيقي فكيف تدعي أنك تملك المعرفة اللازمة للتفريق بين الصواب والخطأ؟ ولهذا نحن دومًا بحاجة للدين لمعرفة القيم الأخلاقية.

مرة أخرى، نجد أنفسنا أمام رأي سائد لدى أغلب الناس. ولكن يبدو أن سمير غير مقتنع. لنسمع:

سمير: لا أرى أي سبب يجعلني اعتقد أن المتدينين ليست لديهم نفس المشاكل التي تواجه غيرهم عندما يتعلق الأمر بالتفرقة بين ما هو حقيقي وما هو مزيف.

سميرة: كيف ذلك؟

سمير: سبق لي وأن بينت لك أن الأخلاق بشكلها الأساسي لا تعتمد وغير مستمدة من النصوص الدينية. الاغريق كان لديهم قيم أخلاقية مشابهة لقيمنا الحالية ولم تكن أديانهم مهتمة اطلاقًا بوضع قواعد أخلاقية تلزم بها متبعيها. ولهذا يبدو لي أن الأنسان لديه بوصلته الداخلية التي تساعده على التفرقة بين ما هو صواب وبين ما هو خطأ، وهذه البوصلة الداخلية مستقلة تمامًا عن أية معرفة دينية لديهم. ولهذا فإن المتدينين لابد وأن يلجأوا إلى حسهم الداخلي أو كما سميتها البوصلة لتقرير ما إذا كانوا سيستمروا في اتباع الدين الذي نشأوا فيه أم لا. كما أنهم مضطرين إلى الاستعانة بحسهم الاخلاقي الداخلي عن تفسيرهم للمعنى الحقيقي لهذه النصوص الدينية.

سميرة: أخشى أني لا أفهم تمامًا ما تعنيه.

سمير: سوف أعطيكي أمثلة. في الكتاب المقدس وفي سفر اللاويين فإنه من المحرم الإقراض بفائدة ومن المحرم أكل المحار ومن المحرم ارتداء ملابس مصنوعة من خليط من الصوف والكتان. كما أن العهد القديم يقول أنه على الأغنياء التخلي عن كل ثرواتهم لصالح الفقراء. هل يلتزم كل مسيحي بهذه التعاليم؟ هل من الممكن أن نعتبر كل المسيحيين غير الملتزمين بهذه التعاليم بأن أخلاقهم فاسدة؟ وفي القرآن وفي سورة الأحزاب يأمر الله النساء بتغطية وجوههن وفي السنة يأمر الرسول الرجال بإعفاء اللحى. فهل كل مسلمة كاشفة لوجهها وكل مسلم يحلق ذقنه أصحاب أخلاق فاسدة؟

سميرة: أنا لا أعلم شيئًا عن المسيحيين، ولكن أعلم أن آية سورة الأحزاب لا تعني بالضرورة تغطية الوجه. القصد منها هو الاحتشام بصورة عامة.

سمير: أرأيتي، أنت تقومين بالانتقاء من بين التفاسير المتعددة للنص الديني. تنتقين ما يوافقك انت. أنت هنا تستخدمين ما أسميته أنا بالبوصلة الداخلية. أنت تستخدمين قدرتك الطبيعية على التفرقة بين الصواب والخطأ.

سميرة: لست متأكدة من ذلك.

سمير: عزيزتي. انه أمر واضح. المتدينيين ليست لديهم أية امتيازات خاصة بامتلاكهم نصًا دينيًا يحوي قيمًا أخلاقية. فهم في النهاية لابد لهم من الاعتماد على حسهم الداخلي عند تفسير المعنى الحقيقي لذلك النص الديني، وفي النهاية فهم من يقررون إذا كان الأمر صوابًا أو خاطئًا، تمامًا كما يفعل غير المتدينيين. أعترف بأن هناك صعوبة في تفسير الكيفية التي توصل البشر عن طريقها إلى القيم الأخلاقية الانسانية. ولكن الأديان ليست هي المصدر الأول بالتأكيد.

اعتقد أن الفرد مهيأ لقبول دين ما إذا اتفق مع اساسيات منظومته أو وجهة نظره الأخلاقية. ولاعتبارات ضرورة استمرار الحياه فإن الفرد عادة ما يتجاهل الأوامر الدينية التى لا تتسق مع مفهومه الاخلاقي أو على الأقل يقوم باعادة تفسيرها ليضمن لها هذا الاتساق.

وفي النهاية فإن هدفي لم يكن الدعوة إلى عدم تعليم صغارنا القيم الأخلاقية، على العكس فإن ذلك هو الشيء الأكثر أهمية على الإطلاق. ولم اقصد اطلاقًا أن يتم ذلك بعيدًا عن المدارس الدينية. كان هدفي بكل بساطة أن أناقش الافتراض الذي تتزايد شعبيته باستمرار والقائل بأن الأخلاق الانسانية بالكامل مستمدة من النظم الدينية. وأننا لا يمكن أن نكون مواطنيين صالحين باعتمادنا على حسنا الداخلي عندما يتعلق الأمر بتقرير ما هو صواب وما هو خطأ.

كنائس في السعودية وصكوك خزانة اسلامية في بريطانيا

هل حقًا من الممكن أن تسمح السلطات في السعودية ببناء كنائس مسيحيسة كاثوليكية داخل أراضيها؟ أنا لا اعتقد ذلك مطلقًا. أو على الأقل ليس الآن. المشكلة في السعودية ليس أن السلطة لن تسمح ببناء الكنائس في أرض الحرمين ومحج المسلمين، لا، السلطة ليبرالية بشكل كافي ويمكنها اتخاذ مثل هذا القرار ولكن تحت ظروف مختلفة قليلاً. نعم فالسعودية بحاجة إلى شعب جديد حتى تسمح ببناء كنائس على أراضيها. المشكلة في السعودية أن الناس هم المحافظون وليس النظام. المجتمع السعودي لن يرضيه بناء الكنائس على أرضه كما لم يرض ذلك المجتمع القطري بعد بناء أول كنيسة كاثوليكية في قطر. شاهدت تقرير لبي بي سي العربية على قناتها الجديدة تستطبع فيه آراء بعض القطريين يعد بناء الكنيسة. أعلن الأغلبية رفضهم لإقائمة الكنسية على أرض قطر. تفهم الدول الغربية أن حرية ممارسة الشعائر الدينية لا يزال أماما وقت لكي تصبح من القيم المقبولة في الخليج ولهذا أصدرت بعض هذه الدول اعلانًا يدعوا مواطنيها بتوخ الحذر بعض افتتاح كنيسة قطر.

لا أفهم لماذا يعارض المتشددون بناء الكنائس ودور العبادة الأخرى. على أية قيم ومثل ومبادئ تتعتبر الكنائس خطرًا في بلاد الخليج وحتى هنا في مصر في ظل اجراءات بالغة النعقيد والصعوبة؟ ولمذا تمثل الكنائس تهديدًا وما طبيعة هذا التهديد؟ حقيقة لا أعلم ولا أرى ضرورة اطلاقًا لمثل هذا التعصب. أعلم ان هناك من سيقول أن رسول الله قد أمر بأن تكون الجزيرة العربية خالية من أي مظهر من مظاهر الأديان الأخرى، بل أعلم أن هناك بعضهم سيقول بطرد كل غير المسلمين من الجزيرة العربية وتمييزهم بلباس خاص في باقي الدول الاسلامية الأخرى.

كيف لنا أن نظل نتشدق بأن ديننا دين متسامح مع الأديان الأخرى في حين أن هناك بلادًا اسلامية تمنع مقيمين أجانب من امتلاك الانجيل بصفة شخصية خوفًا من أن تتسرب تعاليم المسيحية من ذلك الانجيل بصورة سحرية وتدخل عقول الشباب وتذهب بدينهم هكذا دفعة واحدة.

church_in_riyadh.jpg

طبعًا من أنا لأقول للمسلمين ماذا عليهم أن يفعلوا، فما أنا إلا جاهل ولا أفهم شيئًا عن تعاليم ديني الاسلام وحري بي أن أترك هذا الموضوع لعلماء الأمة الأفاضل، فإنهم سيلوكونه أفضل مني بكثير. وسيقول البعض “انت تقول أن المسلمين غير متسامحين. ألا تنظر من حولك وترى كيف أن تسامح الاسلام قد جذب الغرب إلى الدخول أفواجًا فيه؟ ألا ترى كيف انهم غير متسامحين معنا في بلادهم ويهاجموننا في وسائل اعلامهم ويسخرون منا ومن رسولنا الكريم ويستهزؤون بدين الله؟” ولكن من يقول ذلك لديه سوء فهم واضح، فإن التفكير بهذه الطريقة سببها أن الشعوب العربية والاسلامية لم تعرف معنى الديمقراطية يومًا من الأيام. تعامل كل النظم الأخرى قياسًا على نظمها الديكتاتورية. فعندنا كل ما يظهر ويقال ويكتب في وسائل الاعلام العربية قد سمحت به السلطات مقدمًا أو على الأقل يتم بعلمها وتحت نظرها ولهذا لا تفهم الشعوب العربية كيف أن نظام دولة ما لا يسمح بالتحكم في وسائل اعلامها. ولكن أقول مرة أخرى… من أنا لكي أعرف…؟

والدليل على أن الاسلام قد أصبح محط أنظار الغرب واهتمامه هذا الشغف الشديد بمنتجات الصيرفة والاقتصاد الاسلامي. لقد فهم الغرب أخيرًا فساد نظمه الاقتصادية التي أسسها اليهود في الأصل لكي يصبحوا هم فقط المستفيدين بعد اغراق العالم كله في الأزمات الاقتصادية والتي سببها نظام الفائدة الربوي الجشع. لقد أصبح العديد من البنوك الغربية يقدم منتجات وحلول بنكية متوافقة مع الشريعة الاسلامية، ويمكنك أن تفتح حساب بنكي “حلال” وانت في لندن أو نيويورك. أليس هذا دليل دامغ على لهاث الغربيين ورائنا. بل أن الحكومة البريطانية -حكومة جلالة الملكة إليزابث الثانية بجلالة قدرها- قد قررت اصدار صكوك خزانة متوافقة مع الشريعة الاسلامية. وهذه أول مرة يأتي فيها اتباع نظم الاقتصاد الاسلامي من الجهاز الرسمي لدولة غربية، وبريطانيا ليست مجرد دولة غربية.

مسكين الانسان العربي المسلم وهو ينخدغ بمثل هذه أكاذيب. على الرغم من أن المنتجات البنكية المتوافقة مع الشريعى الاسلامية قد تجذب بعض الغربيين غير المسلمين لها، إلا ان كلها موجهة بالأساس إلى أموال النفط العربية. فأموال النفط العربية عزيزي أموال مسلمة لا تقبل بأن توضع داخل أوعية ادخار أو استثمارات تعمل بالفائدة الربوية، لأن هذا “حــرام”. ولذلك يحجم الكثير من العرب والمسلمين على الاستثمار بأمواله المسلمة في بلاد الغرب الكافرة. حتى أن هناك حكومة دولة اسلامية قد رفضت مرات عديدة فوائد مستحقة على ودائعها في الغرب والتي وصلت تلك الفوائد وحدها إلى مليارات الدولارات (طبعًا لما كان الدولار له هيبته). ولهذا يلجأ الغرب الكافر إلى هذه الحيلة والخدعة الشيطانية لكي يجذب إليه الأموال العربية النفطية بعد أن كثرت تلك الأموال في أيادي العرب وأصبحوا غير قادرين على استثمار كل هذه الأموال داخل بلادهم.

المعيار الحقيقي لنجاح منظومة الاقتصاد الاسلامي -والذي تمت اختراعها اختراعًا في القرن الماضي- هو أن ينضب النفط وتقل رؤوس الأموال العربية. عندها اذا استمر العالم الغربي في قبول هذه النظم يصبح عندها النظام المصرفي والاقتصادي الاسلامي ناجحًا ويمكن أن نفخر به بالتأكيد. ولكن مع استمرار وجود رؤوس أموال ضخمة في المنطقة العربية النفطية وقلة فرص استثمارها عربيًا، سيصبح توفير المنتج المصرفي الاسلامي لدى بعض المصارف الغربية مجرد وسيلة لجذب تلك الأموال.

هل حقًا أصبح المسلمون أكثر تعصبًا؟

أصطدم من وقت لآخر مع أخد المعلقين إلذي ينعتني بالضلال ويدعوني للهداية وكان آخرها دعوة من أحدهم حتى اغلق مدونتي اتقاءًا لعذاب الله. وأغلب المعلقين من هذه النوعية هم قارؤون عابرون يقومون بإلقاء مواعظهم ولا تراهم مرة أخرى وليست لديهم الرغبة أو طول البال ليدخلوا في أي نوع من أنواع النقاش. هؤلاء يرمون التهم هكذا بدون أي مسوغ لائق أو محترم. لماذا يصبح بعض الناس بهذا التعصب؟ وهل التعصب في ازدياد؟

اسأل من حولك هذا السؤال: هل انت متعصب؟ اعتقد انه يمكن القول بأن كلهم سيحاول أن ينفي التهمة عن نفسه. ولكنك إذا سألت: هل أنت متعصب للإسلام؟ ستجد الكثيرين ممن سيسارعون لنيل الشرف اعتقادًا منهم ان التعصب للإسلام شيء محمود وينبغي على كل مسلم أن يكون متعصيًا لدينه. ويكون بذلك خالطًا بين حبه لدينه ودعوته الناس إليه بالحسنى ورغبته في تصحيح بعض المغالطات في حق الاسلام من جهة وبين دفاعه عن كل صغيرة وكبيرة ومشكوك في أمرها وفروع لا أصول وبل في كثير من الاحيان تفاهات ضررها أكثر بكثير من نفعها.

اعتقد ان التعصب هذا ناتج من ثلاثة أمور: الأول هو عدم القدرة على فهم أن الناس تأتي في كل الأشكال والانواع وأنه من الصعب وضعهم في قوالب متشابهة. أي ان هناك صعوبة ما في فهم الاختلاف البشري. وبهذا تجد المتعصب لا يقدر على تحمل أي شخص مختلف عنه وأية ثقافة لا تتطابق مع ثقافته حتى وان كانت ثقافة بلد مسلم آخر. والثاني هو شعور متجذر في نفوسنا كمسلمين أننا محاربون من كل أجناس الأرض وأن هناك مؤامرة عالمية لها أطراف كثيرة ومتشعبة مهمتها القضاء على الاسلام أو على الأقل تدجينه ونتف ريشه وتقليم مخالبه. ومن يتأصل في نفسه هذا الشعور تجده ينظر إلى كل شيء من حوله نظرة شك وريبة، ولا يقدر على اتخاذ قراراته بنفسه ويتخذ لنفسه مجموعة من المعممين ليرسموا له حياته ويخططون لها ويخبرونه ما هي الأشياء التي ينبغي عليه فعلها وما هي الأشياء التي لابد وان يتجنبها. والشيء الثالث هو تضخم المقدس ليشمل كل ما يحيط بالاسلام ويتبع هذا نظرة استعلاء لتصنف كل الشعوب والثقافات الأخرى تصنيفًا دونيًا. اجمع بين هذه الأمور وستجد نفسك محدقًا في المسلم المتعصب. وهو أيضًا يأتي بألوان وأشكال كثيرة.

المشكلة هنا أن التعصب هذا لم يكن قاصرًا على الأفراد وانما شمل المؤسسات والبلدان أيضًا. واليك بعضًا من الأمثلة المتنوعة على هذا التعصب والتي دفعتني إلى الكتابة هنا: إقرأ المزيد